حينئذ قضى لصاحب الحرث بأن ينتفع بالغنم : لبنها وصوفها ونتاجها : إلى أن يصلح حرثه : فوافق داود على حكم ابنه سليمان .
هذه هي القصة كما يرويها المفسرون ، ولكن ابن عربي يعتبر حكمي داود وسليمان فيها مثالين لنوعين مختلفين من المعرفة يسمى الأول علماً والثاني فهماً - مستنداً إلى الآية : « فَفَهَّمْناها سُلَيْمانَ » .
فحكم داود كان نوعاً من العلم وهبه الله إياه كما وهبه لغيره من بني الإنسان :
أو هو العلم الإنساني العادي المبني على الروية والتفكير أما علم سليمان - الفهم - فهو علم الله خاصة يهبه لمن يشاء من عباده فيظهر فيهم بظهوره تعالى في صورهم ، وذلك عند فنائهم فيه وتحققهم بوحدتهم الذاتية معه . فلم يكن سليمان هو الذي أصدر الحكم بل الحق هو الذي تكلم بلسان الصورة السليمانية الخاصة ولذلك يسميه ابن عربي « ترجمان حق في مقعد صدق » .
ومهما يكن من أمر القصة نفسها ، بل ومن أمر ما أصدره كل من داود وسليمان فيها من حكم ، فإن التفرقة التي وضعها ابن عربي بين العلم والفهم :
أو بين العقل والذوق ، تفرقة لها قيمتها في فهم نظريته الإبستمولوجية ( الخاصة بطبيعة المعرفة ) . ومن سوء الحظ أنه ساق هذه القصة مثلًا يوضح به ما يريد ، لأنني لا أرى أن حكم سليمان فيها يمت إلى العلم الذوقي في كثير أو قليل على الرغم من أنه كان حكماً أدق وأكثر توفيقاً من حكم أبيه .
وأفضل من هذا بكثير المثال الثاني الذي ساقه ليوضح به الفرق بين نوعي المعرفة الآنفي الذكر ، وهو مثال العلم عن طريق الاجتهاد . فإن الاجتهاد نوعان : مصيب وهو ما يأتي موافقاً لحكم الله في مسألة من مسائل الدين بحيث لو تولاها الله بنفسه أو أوحى في شأنها إلى رسوله لما حكم فيها بغير ما حكم صاحب هذا الاجتهاد المصيب .
وهذا النوع من الاجتهاد وقف على الكاملين من أولياء الله الذين يستمدون علمهم
فصوص الحكم — صفحة 216
مساهمون: ابن عربي
ص٢١٦