العالم اسم لبقاء صورها عندما تبقى : أي أن الدنيا والآخرة مجرد اسمين للوجهين اللذين ينطوي عليهما الخلق الجديد .
( 13 ) « ولا علم لأحد بهذا القدر ، بل الإنسان لا يشعر به من نفسه أنه في كل نَفَس لا يكون ثم يكون » .
أي أن الإنسان لا علم له بهذا التغير الدائم الجاري في الكون بأسره ، ولا يحس من نفسه أنه في كل نَفَسٍ وفي كل آن ينعدم ثم يخلق من جديد . ولكن انعدام أي شيء ثم وجوده يقعان في آن واحد من غير أن تنقضي بينهما فترة من الزمان . ولا يقال إن « ثُمَّ » تقتضي التراخي أو المهلة فإنها ليست كذلك دائماً ، فقد تشير إلى ترتب عِلِّيٍ بين علة ومعلول يتلاقيان في الزمان الواحد ، مثل هز الرديني واضطرابه في قول أبي داود جارية ( أو جويرة ) بن الحجاج .
كهز الرديني تحت العجاج * جرى في الأنابيب ثم اضطرب
فإن هز الرديني علة في حدوث الاضطراب به وهما حاصلان في الرمح في آن واحد . وكذلك الحال في « ثُمَّ » إذا استعملت في تفسير معنى الخلق الجديد .
( 14 ) « وأما علمه فقوله تعالى « فَفَهَّمْناها سُلَيْمانَ » - مع نقيض الحكم » .
اختص الله سليمان في جملة ما اختصه به من النعم بالعلم والحكم ، ولكنه علم من نوع خاص يختلف عن علم أبيه داود الذي ذكره الله أيضاً على سبيل المنة في قوله « وكُلاًّ آتَيْنا حُكْماً وعِلْماً » ( 1 ) . والعبارة تشير هنا إلى نوعي العلم اللذان وهبهما الله داود وسليمان ، ونوعي الحكم اللذان صدرا عنهما في قصة الحرث والغنم المشهورة . فإنه لما نفشت غنم بعض القوم في حرث بعضهم شكا إلى داود وكان بمحضره ابنه سليمان . فقضى داود لصاحب الحرث أن يأخذ الغنم عوضاً عن التلف الذي أحدثته بحرثه . ولكن ابنه سليمان الذي لم تتجاوز سنه الحادية عشرة
هامش
( 1 ) سورة الأنبياء آية 79 .