أما فضل العلم الإلهي على الإرادة فلعمومه وشمول تعلقه بكل ما هو معلوم سواء أكان أمراً وجودياً أم عدمياً ، موجوداً بالقوة أم بالفعل ، ممكن الوجود أم مستحيل الوجود . وأما فضل الإرادة على القدرة فلتقدمها عليها ولأن تعلقها أعم من تعلق القدرة .
( 8 ) « * ( وهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ . فأثبت بصفة تعم كل سامع بصير من حيوان » .
السميع والبصير اسمان من أسماء الله . ويمكن أن يقال إن التفاضل واقع بينهما على نحو ما تتفاضل الأسماء الإلهية كما ذكرنا . ولكن فيلسوف وحدة الوجود يفسرهما تفسيراً آخر . وهو أن الحق سبحانه عندما وصف نفسه بأنه السميع والبصير لم يرد مجرد حمل صفتي السمع والبصر على نفسه ، بل أراد فوق ذلك أن يقرر أنه وحده هو الذي يسمع في كل ما يسمع ومن يسمع ، والذي يبصر في كل ما يبصر ومن يبصر . هذه هي ناحية التشبيه في مذهب ابن عربي الذي أشرنا إليه ، وهو تشبيه يكاد يوقعه في التجسيم المحض . ولكنه يخفف من شناعة هذا التشبيه بما يذكره عن تنزيه الحق بمعنى إطلاقه - في ذاته - عن كل قيد وكل تحديد . فهو ليس هذا السامع أو ذاك ، ولا هذا المبصر أو ذاك ، بل هو عين كل ما يسمع وما يبصر . وبهذا يصدق على الحق أنه « لَيْسَ كَمِثْلِه شَيْءٌ » لأنه لا يشبه أي شيء من المخلوقات وإن كان عين المخلوقات جميعها .
وعلى هذا ، إذا فهمنا التفاضل بين السميع والبصير على معنى أنه حاصل بين صفتين من الصفات الإلهية ، قلنا إن صفة البصر أكمل وأفضل من صفة السمع .
وإذا فهمنا السميع والبصير بمعنى الحق الذي يسمع في ذات كل سامع ، ويبصر في ذات كل مبصر ، كان التفاضل حاصلًا بين صور الموجودات لا بين صفتين من الصفات الإلهية . قارن في مسألة التنزيه والتشبيه الفص الثالث : تعليق 1 ، 2 إلخ .
( 9 ) « وما ثَمَّ إلا حيوان . . . إلى قوله فإنها الدار الحيوان » .
فصوص الحكم — صفحة 210
مساهمون: ابن عربي
ص٢١٠