تخطي إلى المحتوى الرئيسي

فصوص الحكم — صفحة 213

مساهمون:

ص٢١٣
( 12 ) « الخلق الجديد » . بيّنا في التعليق السابق كيف فسر ابن عربي مسألة عرش بلقيس على أساس فكرته في الخلق الجديد ، ولكن أمر الخلق الجديد ليس قاصراً على هذه المسألة ، بل هو فكرة من أخصب أفكاره يفسر بها كثيراً من المشكلات العويصة الأخرى سواء ما اتصل من ذلك بمسائل ما بعد الطبيعة وما اتصل منها بالتصوف . فالعليَّة والتعدد والتغير وما إلى ذلك من صفات العالم الخارجي متصلة اتصالًا وثيقاً بفكرته في الخلق الجديد ، وكذلك مسألة خلق الأفعال على أيدي العباد وبأي معنى يعتبرهم فاعلين لها وبأي معنى يعتبرهم غير فاعلين وهكذا . بل إن مسألة الخلق الجديد عنده هي مسألة الخلق إطلاقاً : يفسر بها بأي معنى يصح لنا أن نتحدث عن خلق العالم . ليس الخلق في نظر ابن عربي إيجاداً لشيء لا وجود له ، فهذا مستحيل عقلًا وعملًا ، ولا هو فعل قام به الحق في زمن مضى دفعة واحدة ثم انتهى منه ، بل هو حركة أزلية دائمة ، عنها يظهر الوجود في كل آن في ثوب جديد وتتعاقب عليه الصور التي لا تتناهى عدّا من غير أن تزيد فيه أو تنقص منه شيئاً في جوهره وذاته . فالخلق بمعنى الإيجاد من العدم أو الابتداع على غير مثال سابق ، والخالق بمعنى الموجد من العدم أو المبدع على غير مثال سابق ، لا محل لهما في مذهبه : وإنما الخالق عنده هو جوهر أزلي أبدي يظهر في كل آن في صور ما لا يحصى من الموجودات ، فإذا ما اختفت فيه تلك ، تجلَّى في غيرها في اللحظة التي تليها . والمخلوق هو هذه الصور المتغيرة الفانية التي لا قوام لها في ذاتها : أو هي الأعراض التي تتعاقب على هذا الجوهر الثابت الدائم . وفي هذا تكرار لنظرية الأشاعرة في الجواهر والأعراض وقولهم بالتجدد الدائم للأعراض على نحو ما أشرنا إليه في الفص الثاني عشر ( التعليق 13 ) فما يسميه ابن عربي الخلق الجديد أو تجديد الخلق مع الأنفاس هو بعينه ما يسميه الأشاعرة تجديد الأعراض وإن اختلفت الفكرة الأساسية في المذهبين .