تخطي إلى المحتوى الرئيسي

فصوص الحكم — صفحة 211

مساهمون:

ص٢١١
ليست الحياة قاصرة على نوع معين من المخلوقات كما يظن المحجوبون بل هي مبدأ عام سار في الوجود بأسره . وهذا معنى قوله « فما ثَمَّ إلا حيوان » : أي فما في الوجود إلا ذو حياة ، وإن كانت هذه حقيقة تخفى عن إدراك بعض الأفهام وتتجلى للبعض الآخر بطريق الكشف والذوق . أما سريان الحياة في الوجود كله فلأنها صفة من صفات الحق تتجلى في كل موجود بحسب استعداده وأهليته ، ولذا بدت واضحة جلية في بعض الكائنات فوصف بأنه حي ، وبدت في غيرها أقل وضوحاً وجلاء فلم يوصف بالحياة . ولو علم الناس سريان جميع الصفات الإلهية من العلم والحياة والقدرة والسمع والبصر ونحوها في الموجودات لما قالوا بغير ما قال الشيخ : ولكنهم في هذه الدنيا محجوبون عن مثل هذه الحقائق التي لا يرقى إلى إدراكها إلا القليلون . ولكن ثمة مقاماً ينكشف لكل إنسان فيه وجه الحقيقة ويرفع عن قلبه الحجاب - ولعله يريد بهذا المقام « الموت » الذي تتحرر فيه الروح من قيود البدن - أو « الفناء الصوفي » الذي يتحقق فيه هذا التحرر أيضاً ، فيدرك الإنسان الحياة في كل شيء ويشهدها في كل موجود . وهذا المقام هو الذي سماه بالدار الآخرة وقال إنها المعنية بقوله تعالى « وإِنَّ الدَّارَ الآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوانُ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ » ( س العنكبوت آية 64 ) . ( 10 ) « فمن عمَّ إدراكه كان الحق فيه أظهر في الحكم ممن ليس له هذا العموم » تحتمل هذه العبارة الغامضة أحد معنيين وذلك بحسب ما نفهمه من كلمتي « الحق » و « الحكم » . فيصح أن يكون المراد بها أن من عم إدراكه فنظر إلى الوجود نظرة شاملة وشاهد وجود الحق في كل شيء وحياتَه في كل شيء ، كان الحق ( أي الصواب ) أظهر في حكمه ممن قصرت أفهامهم عن إدراك هذه المعاني . ويصح من ناحية أخرى أن يكون المراد أن من عم إدراكه للوجود ( بالمعنى المتقدم ) ، كان الحق ( أي الله ) فيه أظهر منه في غيره في الناحية التي يحكم بها عليه . فإن حُكِمَ على الحق بأنه حي مثلًا كان « الحق الحي » أظهر