بعد أن شرح أن الأفعال كلها لله وإن ظهرت على أيدي العباد ، وأن الفرق بين نسبتها إلى الحق ونسبتها إلى الخلق ليس إلا الفرق بين اسم الله الباطن واسمه الظاهر ، أو اسمه الأول واسمه الآخر ، قال إن هذا علم لا يغيب عن سليمان ، بل هو جزء من الملك الذي طلبه سليمان من الله حيث قال « وهَبْ لِي مُلْكاً لا يَنْبَغِي لأَحَدٍ من بَعْدِي » ولم يكن ذلك المُلْك شيئاً خاصاً به دون غيره ، بل كان مُلكاً منحه الله أناساً قبل سليمان وبعده . ولكن سليمان وحده اختص من بين سائر الخلق بالظهور به في عالم الشهادة . فقد منح الله سليمان قوة التصرف في الكائنات حيها وميتها ، إنسها وجنها وهي قوة منحها غير سليمان من قبله ومن بعده . ولكنه وحده كان مأموراً من الله بالظهور بها لأن الله أعطاه الخلافة الظاهرية وهي المُلك : وهذه من مستلزماته .
( 6 ) « * ( ورَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ ) * حتى الأسماء الإلهية : أعني حقائق النسب ، فامتَنَّ عليها بنا » .
النسب هنا هي النسب بين الحق والخلق أو بين الواحد والكثير - الله والعالم .
وليست هذه النسب سوى الأسماء الإلهية - لا مجرد الألفاظ الدالة على هذه الأسماء ، بل حقائق الأسماء . ومن رحمة الله الامتنانية التي وسعت كل شيء رحمته بهذه الأسماء بأن حقق وجودها عن طريق وجود مظاهرها ومجاليها وهي العالم المرموز إليه « بنا » في قوله « فامتن عليها بنا » . فنحن ( العالم ) نتيجة رحمة الامتنان التي رحم بها الحق الأسماء الإلهية لأنه بإيجادنا أوجدها ، وإيجاد أي شيء هو عين الرحمة به ، لا فرق في ذلك بين ما هو خير وما هو شر ، وما هو حسن وما هو قبيح ، وما هو طاعة وما هو معصية . فإن هذه كلها معان تضاف إلى مقولة الوجود لاعتبارات خاصة خارجة عن مفهوم الوجود ذاته . والذي تتعلق به رحمة الامتنان هو الوجود من حيث هو وجود لا من حيث هو وجود شر أو خير أو وجود طاعة أو معصية . أما ظهور الأشياء في الوجود على النحو الذي هي عليه فمن رحمة الوجوب لا من رحمة الامتنان ، لأن ظهور
فصوص الحكم — صفحة 208
مساهمون: ابن عربي
ص٢٠٨