فيه منه في غيره من المخلوقات ، وإن حكم عليه بأنه سميع أو بصير كان « الحق السميع » أو « الحق البصير » في ذلك الحاكم أظهر منه في غيره وهكذا . وكلا التأويلين يحتمله مذهب المؤلف في وحدة الوجود ، وإن كان التأويل الأول أظهر .
( 11 ) « وأما فضل العالِم من الصنف الإنساني على العالِم من الجن بأسرار التصريف وخواص الأشياء فمعلوم بالقدر الزماني » .
يشير إلى مسألة نقل عرش بلقيس إلى مجلس سليمان وما قاله كل من العفريت والرجل الذي عنده علم من الكتاب في ذلك . قال الأول : « أَنَا آتِيكَ به قَبْلَ أَنْ تَقُومَ من مَقامِكَ » ، وقال الآخر : « أَنَا آتِيكَ به قَبْلَ أَنْ يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ » . ويظهر فضل الثاني على الأول - كما يقول - في القدر الزماني الذي حدده لنقل العرش . فإن زمن القيام من المكان مدة يمكن قياسها ، وهي أعظم بكثير من زمن ارتداد الطرف من شيء مرئي إلى الشخص الرائي . بل إن زمن ارتداد الطرف لحظة لا يمكن قياسها ، لأن الزمان الذي يتحرك فيه البصر ليرى شيئاً من الأشياء هو عين الزمان الذي تقع فيه الرؤية مهما بعدت المسافة بين الرائي والمرئي . لهذا كان آصف بن برخيا ، وهو الرجل الذي عنده علم من الكتاب ، أَتم في علمه وفي عمله من العفريت .
لكن ما ذا حدث لعرش بلقيس ؟ هل نقل من مكانه إلى مجلس سليمان في اللحظة التي ذكرها آصف ؟ يقول ابن عربي إنه لم يحدث انتقال من مكان إلى مكان ، كما أن سليمان ومن كان في حضرته لم يتخيلوا أنهم رأوا العرش في حين أنهم لم يروه بدليل قوله تعالى « فَلَمَّا رَآه مُسْتَقِرًّا عِنْدَه قالَ هذا من فَضْلِ رَبِّي » .
لم يحدث هذا ولا ذاك وإنما الذي حدث هو خلق جديد للعرش : أي إعدام له في مكانه الأصلي وإيجاد له في مجلس سليمان : كل ذلك في لحظة واحدة . وأن الذي قام بذلك هو آصف بن برخيا الذي كانت له قوة على التصرف في الأشياء وعلم بخصائصها وأسرارها .
فصوص الحكم — صفحة 212
مساهمون: ابن عربي
ص٢١٢