هي مرادفة للوجود أو لمنح الوجود على سبيل المنة ، وليس لها أي صلة بمعاني الشفقة أو العطف أو العفو ، وإن كنا نستطيع أن نقول في ضرب من التجوز ان الحق تجلى في صور الممكنات وخلع عليها وجوده شفقة منه بها وعطفاً منه عليها .
أما رحمة الوجوب فهي التي أوجبها الحق على نفسه في قوله : « كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلى نَفْسِه الرَّحْمَةَ » ، وفي قوله : « فَسَأَكْتُبُها لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ إلخ » . وقد يراد بها إحدى رحمتين :
الأولى : ما يمنحه الحق من الوجود للكائنات بحسب ما هي عليه في أعيانها الثابتة ، فإن هذه الأعيان تطلب بمقتضى طبيعتها وما جبلت عليه أن يكون وجودها على نحو خاص ، وليس للحق الا أن يمنحها ذلك الوجود لأنها توجب عليه ذلك إلخ . وليس هذا الوجوب وهذه الضرورة إلا الجبرية التي أشرنا إليها فيما سبق .
( راجع الفص الثاني التعليق 3 والفص الخامس التعليق 4 و 6 و 7 إلخ إلخ ) .
الثانية : ما يمنحه الحق من رحمته للعباد بحسب أفعالهم . وهذه أيضاً واجبة عليه لأن العدل يقتضيها . وهو مذهب المعتزلة . وإليه أشار بقوله : « فإنه * ( كَتَبَ عَلى نَفْسِه الرَّحْمَةَ ) * سبحانه ليكون ذلك للعبد - بما ذكره الحق من الأعمال التي يأتي بها هذا العبد - حقاً على الله تعالى أوجبه له على نفسه يستحق بها هذه الرحمة » .
ولكن لما كان منح الله الخلق ما يستحقون سواء بحسب ما تقتضيه أعيانهم الثابتة أو بحسب ما تقتضيه أعمالهم ، داخلًا تحت الفعل الإلهي الأعم وهو منح الله الوجود لجميع الموجودات ، لما كان كذلك ، دخل الاسم الرحيم في الاسم الرحمن دخول تضمن كما يقول ، وكان الاسم الرحمن هو الواهب الرحمة ، أي واهب الوجود اطلاقاً سواء أكان الوجود محض امتنان من الحق للخلق ، أو حقاً عليه لهم .
وقد عولجت بعض نواحي هذه المسألة الهامة في شيء من التفصيل فيما مضى .
راجع صلتها بمدح الله لأفعال العبد وذمها : الفص السابع : التعليق 4 ، وصلتها
فصوص الحكم — صفحة 206
مساهمون: ابن عربي
ص٢٠٦