الأولى وهي « إِنَّه من سُلَيْمانَ » ليست جزءاً من كلام سليمان إلى بلقيس ، بل هي إخبار منها لقومها بأنها أُلْقِيَ إليها كتاب من سليمان . أما أول الكتاب فهو « بِسْمِ الله الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ » .
ومن الناس من يعتبر الجملة الأولى جزءاً من كتاب سليمان إلى بلقيس ويلتمس لسليمان عذراً في تقديم اسمه على اسم الله ولا يعد ذلك جهلًا من الرسول ، بل عملًا قصد به إلى غاية خاصة ، وذلك أن سليمان لما علم أنه ليس من عادة الملوك الاحتفاء برسالات الأنبياء ولا تكريم حامليها ، بل لقد يدفعهم الشطط في امتهانها وتحقيرها إلى تمزيقها أو إحراقها أو التمثيل بها أي نوع من أنواع التمثيل كما فعل كسرى بكتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ، لما علم سليمان كل ذلك ، قدم اسمه على اسم الله لكي يعرض اسم هو أولًا لمثل هذه الإهانة إن وقعت . وهذا تعليل في نظر ابن عربي في غاية الضعف ، إذ لو كان في نية بلقيس أن تمتهن كتاب سليمان بالإحراق أو التمزيق لأصابت هذه الإهانة كل ما فيه ، ولما منعها من فعلها تقديم أحد الاسمين على الآخر .
( 3 ) « فأتى سليمان بالرحمتين : رحمة الامتنان ورحمة الوجوب اللتان هما الرحمن الرحيم » .
على هذين الاسمين الإلهيين : الرحمن والرحيم الوارد ذكرهما في كتاب سليمان إلى بلقيس ، والواردان أيضاً في فاتحة كل سورة من سور القرآن الكريم بنى ابن عربي فكرة فلسفية من أخصب الأفكار في مذهبه . وليس بين الاسمين من الناحية اللغوية كبير فرق ، ولكنهما يستعملان في اصطلاحة الخاص للدلالة على « الحق » باعتبارين مختلفين تمام الاختلاف . فالرحمن هو واهب رحمة الامتنان ، والرحيم هو واهب رحمة الوجوب . ورحمة الامتنان هي الرحمة العامة الشاملة لجميع الخلق ، وليست إلا منح كل موجود وجوده على النحو الذي هو عليه في غير مقابلة أو عوض . فهي الرحمة التي أشار الله إليها في قوله : « ورَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ » ،
فصوص الحكم — صفحة 205
مساهمون: ابن عربي
ص٢٠٥