وهذا بالضبط الحق المعتقد فيه لا الحق المطلق كما أشرنا إلى ذلك من قبل . فمن الجهل إذن في نظر ابن عربي أن تطلب الحق في صورة معينة وتقول هو ذي دون غيرها من الصور ، فان ذلك عين الكفر الذي وقع فيه المسيحيون . بل اطلبه في أية صورة من الصور ولا تحصره فيها فإن الحقيقة تمنع من الحصر والتقييد .
اجعل قلبك هيولى المعتقدات كلها وشاهد الحق في كل شيء . هذا هو الدين العام الذي يدعو إليه ابن عربي وقد سبق شرحه فيما مضى ( راجع مثلا الفص 12 التعليق 2 ) .
أما الإشارة إلى طلب موسى ففي قوله :
لو كان يطلب غير ذا * لرآه فيه وما نكس
( 22 ) « مقام حتى نعلم » .
هذا هو مقام الفرق أي مقام التمييز بين الواحد والكثرة . وقد قام الحق بالنسبة لعيسى عليه السلام في هذا المقام عندما سأله عن صحة ما نسب إليه من الأقوال مما ورد ذكره في القرآن في سورة المائدة : ( آية 116 - 117 ) وترجع تسمية هذا المقام « بمقام حتى نعلم » إلى قوله تعالى : « ولَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجاهِدِينَ مِنْكُمْ والصَّابِرِينَ ونَبْلُوَا أَخْبارَكُمْ » ( قرآن س 47 آية 31 ) . فهنا وضع الحق نفسه في مقام من يأخذ علمه بالناس من الناس أنفسهم مع أن علمه قديم سابق عليهم . هذا إذا نظرنا إلى اثنينية العالم والمعلوم - الحق والخلق - ولكن الحقيقة تأبى الاثنينية إذ العالم عين المعلوم . وكذلك الحال في عيسى الذي أقامه الحق مقام المسؤول وطلب منه معرفة حقيقة ما قاله الناس في ألوهيته . هذا مقام « حَتَّى نَعْلَمَ » أيضاً ، وهو مقام اثنينية اعتبارية ووحدة حقيقية .
وغني عن البيان أن ما أورده الحق سبحانه في القرآن من حديث بينه وبين عيسى إنما قصد به أمراً آخر غير ما يقصده ابن عربي : ويستوي عنده أن هذا الحديث قد وقع بالفعل أو لم يقع ، ولكنه يأخذه على أنه مثال يوضح به وحدة السائل والمسؤول
فصوص الحكم — صفحة 200
مساهمون: ابن عربي
ص٢٠٠