أي ولقد تجلى هذا الأمر وظهر على حقيقته لأولئك الذين جدوا في الطلب وسعوا وراء النور ( الله ) . والإشارة هنا إلى موسى الذي قال لأهله « امْكُثُوا إِنِّي آنَسْتُ ناراً لَعَلِّي آتِيكُمْ مِنْها بِقَبَسٍ أَوْ أَجِدُ عَلَى النَّارِ هُدىً . فَلَمَّا أَتاها نُودِيَ يا مُوسى إِنِّي أَنَا رَبُّكَ فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ إِنَّكَ بِالْوادِ الْمُقَدَّسِ طُوىً » ( قرآن س 20 آية 10 - 11 ) .
فموسى جاء في طلب القبس فرآه ناراً وهو نور . وكذلك كل سالك إلى الله يطلب هذا النور .
فرآه ناراً وهو نو * ر في الملوك وفي العسس
أي أن موسى رأى الحق في صورة النار وهي في الحقيقة النور الذي ظهر في كل شيء في الوجود : أعلاه - وهو المشار إليه بالملوك - وأسفله ، وهو المشار إليه بالعسس . واستعمال كلمة العسس للمظاهر الوجودية الدنيا لا يخلو من مغزى ، لأن العسس وهم حرّاس الليل ، لا يظهرون في صورة كاملة واضحة لاشتمال الليل عليهم ، وكذلك المظاهر الوجودية الدنيا لا يظهر فيها كمالات النور الإلهي واضحة لقصور استعدادها عن قبول ذلك النور . أما الملوك وهم أظهر الناس ، فهم رمز للمجالي الإلهية العليا التي قبل استعدادها أكبر قسط من النور الإلهي .
ويمكن أن يكون معنى البيت - كما يفهمه القيصري - أن الحق ( النور ) ظهر للكاملين من العارفين - وهم الملوك - ولأولئك الذين هم أقل حظاً في الكمال منهم - وهم العسس - .
بعد ذلك أشار إلى إفلاس طرق الفلاسفة في الوصول إلى الحقيقة وابتئائهم في قوله :
فإذا فهمت مقالتي * فاعلم بأنك مبتئس
ثم عرج على قصة موسى ثانية فقال لو أنه طلب الحق في صورة أخرى غير صورة القبس لرآه في الصورة التي طلبه فيها ، لأن الحق يظهر في كل صورة من صور الموجودات ولا يخيب أمل عبده فيه . فمن طلب الحق في شيء وجده :
فصوص الحكم — صفحة 199
مساهمون: ابن عربي
ص١٩٩