الصور من نور الوجود ولما كان الظلام لا يمكن إدراكه إلا عن طريق ما يتخلله من النور ، لم ندرك « النّفَس الإلهي » إلا عن طريق ما تفتح فيه من صور الوجود .
ولكن كيف ظهر الخلق في الحق ؟ أو كيف تفتحت صور الوجود في النّفَس الإلهي ؟ كيف ظهر الخلق ؟ هذا سؤال حاول الإجابة عنه أهل النظر بالبرهان ، وأجاب عنه الصوفية بالكشف ، وطريق أهل النظر عقلي منطقي ، وطريق الصوفية ذوقي شهودي . أما الأولون فلما طلبوا حقيقة الأمر وأعياهم مطلبها قعدوا عن طلبها واستكانوا . وأما الآخرون فجدوا في الطلب حتى وصلوا إلى غايتهم وشاهدوا الأمر شهوداً عينياً ليس فيه لبْسٌ أو تأويل .
أما صاحب النظر فيرى أمر الخلق كما يرى النائم حلماً من الأحلام : أي أنه يرى رمز الحقيقة لا الحقيقة نفسها . وإلى أصحاب النظر ( الفلاسفة ) يشير بقوله :
والعلم بالبرهان في * سلخ النهار لمن نعس
أي والعلم بمسألة الخلق وظهور الكل في النفس الإلهي من خواص الناعسين الذين تبدو لهم الحقيقة في ثوب من الخيال ، فيطلبون تأويلها كما تبدو للنائم الحقائق في صور الأحلام . وسلخ النهار رمز لآخر مرحلة من مراحل السلوك إلى الحق .
فيرى الذي قد قلته * رؤيا تدل على النفس
أي فيرى الأمر الذي شرحته كما يرى الحالم رؤياه لا كما يرى العارف رؤيته .
فيريحه من كل غم * في تلاوته عبس
أي فتريحه هذه الرؤيا الناقصة من كل غم يشعر به من جراء الحيرة العقلية التي يشعر بها إزاء هذه المشكلة . والمراد بعبس هنا القلق والحيرة لا السورة القرآنية المسماة بهذا الاسم ( س 80 ) .
أما أصحاب الكشف والشهود فيشير إليهم بقوله :
ولقد تجلى للذي * قد جاء في طلب القبس
فصوص الحكم — صفحة 198
مساهمون: ابن عربي
ص١٩٨