تخطي إلى المحتوى الرئيسي

فصوص الحكم — صفحة 202

مساهمون:

ص٢٠٢
كل من يؤمر بأمر إلهي يتصوَّر منه الامتثال لهذا الأمر ، وإلا كان أمر من لا يتصور منه الامتثال ضرباً من العبث . ولكن العباد منهم من يمتثل ومنهم من لا يمتثل حسبما قدر في طبيعتهم من الأزل . فإن بعض أعيان الموجودات طبعت أزلًا على الطاعة في حين طبع غيرها على المعصية . ولكن هذا لا يمنع - في نظر ابن عربي - من توجيه الأوامر الإلهية إلى الجميع على السواء ، لأن الجميع يتصور في حقهم امتثال ما أمروا به . ومهما تكن استجابة العبد لأوامر الله التكليفية ، فإنها امتثال تام لأوامره التكوينية : أي أن العبد الذي يعصي الأمر التكليفي إنما يطيع بفعله هذا الأمر الإلهي التكويني . ( قارن الفص الثامن التعليق 1 ، 2 ، 6 ) . ( 25 ) « فكان الغيب ستراً لهم عما يراد بالمشهود الحاضر » . المراد بالغيب ضمير الغائب « هم » في مثل قوله تعالى : « هُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا » . والمشهود الحاضر هو الحق الظاهر المتجلي في صور أعيان الممكنات . هذا إذا نظرنا إلى الحقيقة الوجودية من حيث إنها « حق » . أما إذا نظرنا إليها من حيث إنها خلق وأثبتنا للخلق وجوداً ، فقد سترنا الحق وراء صورها . وهذا معنى قوله أن الغيب ( والمراد به الخلق المشار إليه بالضمير هم ) ستر للمشهود الحاضر . أما أن الحق هو المشهود الحاضر ، فذلك لأن أعيان الممكنات في ذاتها عدم محض ولم تبرح كذلك لأنها صور معقولة في عالم الغيب العلمي : وهذا هو الوجه الذي يرتضيه ابن عربي الذي يُغَلب جانب الحق على جانب الخلق دائماً في وحدته الوجودية . وقد اختار قوله تعالى : « هُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا » لا ليوضح فكرته بضمير الغائب الوارد فيها فحسب ، بل ليفهم كذلك كلمة « كفروا » فهماً خاصاً يدعم به هذه الفكرة . فكفروا هنا ليست بمعنى لم يؤمنوا ، بل بمعنى ستروا أو أخفوا ، وهذا
فصوص الحكم — صفحة 202 | ابن عربي