أن يكون عيسى قد صنع أجسام الطير من الطين ، وأنه نفخ فيها ، في حين أن الذي خلق الطير الحقيقي منها هو الله ، لأن هياكل الطير الطينية ليست طيراً والمنصوص عليه هو أن عيسى خلق طيراً . ولذلك يعيد الضمير في قوله « من حيث صورته الجسمية » إلى عيسى نفسه لا إلى الطير : أي أن الطين صار طيراً بواسطة نفخ عيسى الصادر عن صورته الجسمية المحسوسة - لا أن الطين صار طيراً من حيث صورته الجسمية المحسوسة . ولكني أرى أن القيصري في نسبته الخلق إلى عيسى ، مهما كان فيه من تأييد لمعجزته ، قد خرج على روح مذهب ابن عربي في وحدة الوجود .
( 8 ) « ولو أتى جبريل أيضاً بصورته النورية الخارجة عن العناصر والأركان - إذ لا يخرج عن طبيعته إلخ » : إن السر في أن عيسى أحيا الموتى وخلق من الطين طيراً - بالمعنى المتقدم - وهو في صورة بشرية ، يرجع إلى أن جبريل الروح تمثل لأمه مريم في صورة بشرية ، ولو أنه أتى إليها في صورة أخرى لما كان عيسى ليستطيع أن يفعل ما فعل إلا إذا ظهر هو الآخر بهذه الصورة لأن جبريل كان له بمثابة الأب والولد سر أبيه .
أما أن جبريل لا يخرج عن طبيعته فمعناه أنه لا يتجاوز في عمله - من حيث هو مبدأ الحياة في عالم الكائنات الحية - الفلك السابع أو سدرة المنتهى التي هي حد الفلك السابع : وهو آخر الأفلاك في العالم الطبيعي .
فجبريل يستطيع الظهور بأية صورة شاء من صور الأفلاك السبعة بما في ذلك فلك الأرض ، بل يستطيع أن يظهر في صورته النورية المحضة الخارجة عن العناصر والأركان ، ولكنه لا يستطيع أن يتعدى حدود الطبيعة : إذ ليس وراء الطبيعة إلا الواحد الحق المنزه عن جميع الصفات .
والطبيعة طبيعتان : نورية وعنصرية : أو طبيعة عنصرية وطبيعة غير عنصرية ، وهي تفرقة أخذها مفكرو الإسلام عن أرسطو الذي ميز بين الطبيعة الأثيرية التي
فصوص الحكم — صفحة 184
مساهمون: ابن عربي
ص١٨٤