الصورة ولا نفخ . فالنفخ إذن ليست جزءاً من حد الْبَشَر ولو أنه يصدر عنه .
أي أن ظهور جبريل في صورة بشرية شيء ونفخه في مريم بهذه الصورة شيء آخر . كذلك الحال في ظهور الحق في صورة عيسى ، فإنه لا يلزم منه أن تكون الألوهية التي هي صفة ذاتية للحق صفة لهذه الصورة الخاصة . أي أن تجلي الحق في أية صورة من صور الوجود شيء وكونه عين هذه الصورة شيء آخر : أو أن الألوهية ليست جزءاً من حد الصورة التي يتجلى فيها الله ، كما أن النفخ ليس جزءاً من حد الصورة البشرية التي ظهر فيها جبريل . كان النفخ إذن من جبريل الروح لا من الصورة التي ظهر فيها . ولهذا ينسب النفخ إليه لا إليها ، كما أن الألوهية تنسب إلى الله لا إلى الصورة التي يتجلى فيها .
( 11 ) « كما قال تعالى : فَإِذا سَوَّيْتُه . نفخ فيه هو تعالى من روحه فنسب الروح في كونه وعينه إليه تعالى » .
الإشارة هنا إلى قوله عز وجل « إِذْ قالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ : إِنِّي خالِقٌ بَشَراً من طِينٍ فَإِذا سَوَّيْتُه ونَفَخْتُ فِيه من رُوحِي فَقَعُوا لَه ساجِدِينَ » ( قرآن س 38 آية 72 ) فنسب الروح في كون الإنسان وفي عينه إلى نفسه تعالى . أي نسبها إلى نفسه عندما وصف كيفية خلق الإنسان وعند ما أشار إلى عينه . أما الأولى فتعبر عنها الآية في قوله « سَوَّيْتُه ونَفَخْتُ فِيه » وأما الثانية فتعبر عنها في قوله « من رُوحِي » لأن عين الإنسان الحقيقية هي روحه التي هي روح الله .
أما في حالة عيسى فالأمر بخلاف ذلك ، لأن الله تعالى عندما خلق الإنسان سوى صورته أولًا ثم نفخ فيه من روحه فظهر في الوجود بهذه الصورة الخاصة .
ولكن عيسى جاءت تسوية صورته الجسمية بعد أن تلقت أمه كلمة الله : أي بعد أن نفخ فيها روح الله . وقد اقتضى ذلك أن الروح الإلهي قد سرى في جميع جسد عيسى قبل أن يسوى ذلك الجسد في الصورة الخاصة . ومعنى هذا أن تسوية جسمه وصورته البشرية قد تمّا معاً بالنفخ الروحي . وفي هذا تعليل لما قلناه من
فصوص الحكم — صفحة 186
مساهمون: ابن عربي
ص١٨٦