هي مادة الأفلاك ، والطبيعة العنصرية التي هي عادة عالم الكون والفساد . فإذا قلنا إن جبريل يستطيع أن يظهر بأية صورة في عالم الطبيعة بناحيتيه ، كان معنى هذا أنه مبدأ الحياة الساري في كل صورة من صور هذا العالم .
( 9 ) « ولذلك نُسِبُوا إلى الكفر وهو الستر لأنهم ستروا الله الذي أحيا الموتى بصورة بشرية عيسى » .
لما أحيا عيسى الموتى وخلق الطير من الطين وأتى بغير ذلك من الأمور الخارقة للعادة ، ذهب الناس في أمره مذاهب شتى . فمنهم من قال بحلول الله فيه فنسب كل هذه الخوارق إلى الله « المستور » خلف الصورة العيسوية : وهذا هو الكفر في نظر ابن عربي إذ الكفر معناه « الستر » والإشارة هنا إلى قوله تعالى « لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قالُوا إِنَّ الله هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ » .
ولكن بأي معنى ، ومن أي وجه كفر الذين قالوا إن الله هو المسيح عيسى ابن مريم ؟ يقول إنهم لم يكفروا بقولهم إن الله هو المسيح ، ولا بقولهم إن المسيح هو عيسى ابن مريم ، ولكنهم كفروا بالقولين معاً : أي بقولهم إن الله هو المسيح عيسى ابن مريم وحده دون غيره . فكفرهم راجع إلى قولهم بالحلول :
أي سترهم الحق وراء الصورة العيسوية وقولهم إنه حال في هذه الصورة دون غيرها : مع أن الحق لم يحلّ في صورة المسيح ولا في غيرها ، وإنما تجلى في كل صورة من صور الوجود بما فيها صورة المسيح . وقد كان السبب في كفرهم جهلهم بطبيعة الوجود وتقييدهم الحق بصورة معينة مع أنه منزه عن التقييد ، إذ لا صورة من صور الوجود أحق به من غيرها .
( 10 ) « وكان النفخ من الصورة ، فقد كانت ولا نفخ ، فما هو النفخ من حدِّها الذاتي » .
ظهر جبريل لمريم في صورة بشرية ثم نفخ فيها كلمة الله : أي أنه كان في هذه
فصوص الحكم — صفحة 185
مساهمون: ابن عربي
ص١٨٥