تخطي إلى المحتوى الرئيسي

فصوص الحكم — صفحة 172

مساهمون:

ص١٧٢
فيه من جهة ولايته لا من جهة نبوته . وبعبارة أخرى يريد ابن عربي أن يقول إن هذا العلم هو من علم الوراثة ، ككلام الصوفية في التخلق بأخلاق الله وكلامهم في قرب النوافل والفرائض وفي مقام التوكل والرضا والتسليم والفناء والتوحيد والجمع والفرق وما شاكل ذلك مما يمكن إدخاله تحت « الرهبانية » التي قال الله فيها إن أتباع عيسى بن مريم ابتدعوها ولم يكتبها الله عليهم . ولكن الرهبانية ليست قاصرة على المسيحيين ، فإن الإسلام في ما يوازيها وهي تعاليم الزهاد والصوفية ، وكلها مستمد - في نظر الصوفية - من العلم الباطن الذي ورثوه عن صاحب هذا العلم وهو محمد عليه السلام : فإن محمداً كان له في زعمهم علمان : علم بظاهر الشرع وهذا هو الذي أوحى الله به إليه ، وعلم بباطن الشرع ورَّثه أولياء المسلمين من بعده . على هذه النظرية التي شرح فيها ابن عربي ماهية الرسالة والنبوة والولاية بنى دفاعه عن الرهبانية والتصوف ، ونظر إلى تعاليم الصوفية على أنها جزء من تعاليم الإسلام بمعنى أعمّ من المعنى الذي يفهمه الناس عادة - لا الإسلام الذي يحتوي قواعد الشرع المنزل وحده ، بل الإسلام الذي يحتوي هذه ، كما يحتوي علم باطن الشريعة الذي أشرق في قلب النبي من عالم الغيب بلا وساطة ، وانكشف له من حيث هو ولي لا من حيث هو نبي ، والذي ما زال ينكشف في كل ولي مسلم من بعده . ويظهر لي أنه لا تناقض مطلقاً بين هذه النظرية وما ذكره القرآن عن الرهبانية التي ابتدعها المسيحيون ، بل أرى - على العكس من ذلك - أن نظرية ابن عربي تفسر لنا الآية القرآنية المشكلة التي وردت فيها الإشارة إلى الرهبانية تفسيراً معقولًا ( راجع القرآن س 57 آية 27 ) . فالقرآن يقول إن الرهبانية نظام ابتدع ابتداعاً ولم يكتبه الله على أصحابه : ومعنى هذا أنه لم يكن في وقت من الأوقات جزءاً من شرع منزل . ألا يمكن أن يكون هذا الابتداع من عمل قلوب الأولياء ، وراجعاً إلى طبيعة بواطنهم كما يقول ابن عربي ؟ بل إنه ليذهب
فصوص الحكم — صفحة 172 | ابن عربي