فإذا نظرنا إلى الحقيقة الوجودية في جملتها قلنا إن التخلق إشارة إلى ناحية القابلية فيها ، والتحقق إلى ناحية الفاعلية ، والتعلق إلى النسبة بين الاثنين ، فإن التعلق هو الوسيلة التي بها يصير ما بالقوة موجوداً بالفعل .
( 11 ) « إذ النبوة والرسالة خصوص رتبة في الولاية » .
لما كان كل نبي وكل رسول ولياً ، كانت النبوة والرسالة مرتبتين خاصتين تلحقان بالولاية وتزولان عنها بزوال أسبابهما ، كما تزول عن المَلِك صفة الملكية فيرجع إلى ما كان عليه . والنبوة والرسالة من شؤون هذا العالم لاتصال أصحابهما به . أما الولاية فلا صلة لها بشأن من شؤون العالم ، ولذلك لم يكن لها زمان دون زمان . وسواء فهمنا خطاب الله لعُزَيْر في قوله : « لئن لم تنته لأمحونّ اسمك من ديوان النبوة » بمعنى الوعد أو بمعنى الوعيد ، فإن النبوة وهي إحدى مراتب الولاية - مقضي عليها بالانقطاع لأنها من الصفات التي تزول عمن يتصفون بها .
أما الولاية فلا زوال لها . فإذا أخرج هذا الخطاب الإلهي مخرج الوعد ، دلّ على أن الله تعالى أبقى على عُزير مرتبة الولاية التي هي مرتبة جميع الأنبياء والرسل في الدار الآخرة التي لا تشريع فيها .
( 12 ) « لما شرع يوم القيامة لأصحاب الفترات والأطفال الصغار والمجانين » .
لما ذكر أن لا شرع ولا تكليف في الدار الآخرة ، قيده بأن ذلك لا يكون بعد دخول الخلق الجنة أو النار . أما قبل الدخول في الدارين فسيكون في الآخرة تشريع وتكليف لأصحاب الفترات وصغار الأطفال والمجانين ، وتكليف لبعض الخلق بالسجود بين يدي الله كما يَدل عليه قوله تعالى : « يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ ساقٍ ويُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ فَلا يَسْتَطِيعُونَ » .
أما الأطفال فسيحشرهم الله في دور الرشد ، وأما المجانين فسيرد إليهم صوابهم ثم يجمع الجميع في صعيد واحد ويُرسَل إليهم رسول من أفضلهم يأتي لهم بنار عظيمة ويطلب إلى من آمن به منهم أن يلقي بنفسه فيها ، فيطيعه بعضهم
فصوص الحكم — صفحة 174
مساهمون: ابن عربي
ص١٧٤