أما تقابل الأسماء - وقد أشار إليه فيما مضى بتقابل الحضرتين - فراجع إلى أن الوجود الواحد الذي هو الحق ، يتجلى في صور أعيان الممكنات كل أنواع التجلي الممكنة ويظهر فيها بكل أنواع الأسماء المتقابلة . ولهذا لا تحدِّد الجبرية التي يقول بها ابن عربي الوجود المقيد وحده ( الخلق ) بل الوجود المطلق أيضاً ( الحق ) : وهذا ظاهر في قوله : « فحقيقته ( حقيقة سر القدر ) تحكم في الوجود المطلق والوجود المقيد ، لا يمكن أن يكون شيء أتم منها ولا أقوى ولا أعظم لعموم حكمها المتعدي وغير المتعدي » .
( 7 ) « مطلب العُزَيْر » .
لما مرّ عُزير ببيت المقدس ( أورشليم ) بعد أن هدمه « نبوخادنصر » ورأى القرية خاوية على عروشها صاح قائلًا : « أَنَّى يُحْيِي هذِه الله بَعْدَ مَوْتِها ؟ » ( قرآن س 2 آية 261 ) ، فأماته الله مائة عام ثم بعثه وطلب منه أن ينظر إلى طعامه الذي لم يفسد ، وإلى حماره الذي مات وبلي فلم يبق منه إلا عظامه ، فإذا به يرى الحمار وهو يبعث حياً وتكسى عظامه باللحم . هذه هي القصة كما وردت في القرآن ، ويفهم منها عادة أن عزيراً قد داخله الشك وتملكه العجب من بعث أورشليم الحربة وأهلها إلى الحياة مرة أخرى ، فأراه الله بعث الأجسام رأي العين فيما فعل بحماره .
ولكن ابن عربي لا يفهم أن هذا كان مطلب عزير ، فعزير - في نظره - لم يشك في إحياء الله الموتى ولم يستعظم ذلك على الله ، وإنما أراد أن يعرف سرّ القدر في الخلق : أي أراد أن يعرف كيف خلق الله الخلق وأخرجه إلى الوجود ، لا كيف يحيي ميتاً أو أمواتاً بالذات ، وأراد أن يعرف ذلك عن طريق الوحي وهو الطريق الذي يتلقى به الأنبياء علمهم من الله . وبعبارة أخرى أراد عزير أن يقف على أحوال الممكنات في أعيانها الثابتة في العلم الإلهي القديم - أو بلغة ابن عربي نفسه - أراد أن يعرف « مفاتح الغيب » التي لا يعلمها إلا الله وحده بدليل
فصوص الحكم — صفحة 169
مساهمون: ابن عربي
ص١٦٩