ويقتحم هذه النار ويعصاه البعض الآخر . فمن امتثل أمره منهم ورمى بنفسه في النار وجدها برداً وسلاماً كنار إبراهيم واستحق بطاعته الجنة : ومن عصاه استحق العقوبة بنار جهنم .
هذا لسان أهل الظاهر يردده ابن عربي في كتابه من غير أن يحاول وضع تأويل باطني عليه ، ولكن لا بدّ لنا من تأويل عباراته وإلا وقع في تناقض صريح لأنه قرر في مواضع أخرى من هذا الكتاب ما يفهمه من معنى الدار الآخرة ومعنى الجنة والنار والثواب والعقاب وما إلى ذلك .
إذا كانت الدار الآخرة في مذهبه ليست إلا الحال التي يكون عليها الموجود بعد اختفاء صورته وظهوره بصورة أخرى ، وإذا كانت الجنة والنار ليستا سوى مقامين من مقامات المعرفة بحقيقة الوجود ، فما ذا يا ترى يقصد بالأطفال والمجانين وبحشرهم على النحو الذي وصفه ، أمام نبي يدعوهم إلى اقتحام نار أعدها لاختيار إيمانهم به أو تكذيبهم به ؟ إنني لا أرى مخرجاً من التناقض الذي يوقعه فيه أخذ هذه العبارات على ظاهرها إلا أن نفترض أن الأطفال والمجانين رمز للقاصرين عند تحصيل المعرفة الكاملة بالحق ، وأن النبي الذي يرسل لهم يوم القيامة رمز للشخص الذي يرشد هؤلاء لضالين إلى معرفة الطريق المؤدية إلى الله - أو هو رمز للصوفي العارف الذي يرشد مريديه ، وأن النار التي يدعوهم إلى اقتحامها رمز للطريق الصوفي الشاق الذي يطالبهم بالدخول فيه ، فإذا سلكوه فازوا بالمعرفة التي هي جنتهم ، وإذا أبوا الدخول فيه شقوا بالجهل الذي هو نارهم
.
فصوص الحكم — صفحة 175
مساهمون: ابن عربي
ص١٧٥