تعيين حدوث شيء من الأشياء على ما هو عليه في عينه الثابتة في وقت معين ، والقضاء هو حكم الله في الأشياء أن تكون كيت وكيت على النحو الذي قدِّر لها أن تكون عليه . وعليه كان القدر سابقاً على القضاء . والله ينفذ حكمه في الأشياء بحسب علمه بها ، وعلمه بها راجع إلى ما تعطيه الأشياء نفسها مما هي عليه في ذاتها . فكأن القضاء والعلم تابعان للمعلوم ، وكذلك الإرادة والمشيئة .
أما القدر ، وهو تعيين الوقت ، فسابق على هذه كلها . وهو راجع إلى الشيء المقدر نفسه - المشار إليه بالمعلوم .
ويظهر أنه يستعمل كلمتي الإرادة والمشيئة بمعنيين مختلفين جرياً على عادته ( راجع الفص الثالث والعشرين ) مع أنه لا فرق بينهما في الاصطلاح العادي .
فالإرادة عنده تتعلق بوجود ما لا وجود له فقط ، ولكن المشيئة تتعلق بوجود ما لا وجود له كما تتعلق بعدم ما هو موجود . وهذه التفرقة نفسها ملاحظة في القرآن الكريم الذي يظهر أن ابن عربي أخذها منه . يقول الله تعالى « فَمَنْ يُرِدِ الله أَنْ يَهْدِيَه يَشْرَحْ صَدْرَه لِلإِسْلامِ ومن يُرِدْ أَنْ يُضِلَّه يَجْعَلْ صَدْرَه ضَيِّقاً حَرَجاً » .
ويقول « ولَوْ شاءَ لَهَداكُمْ أَجْمَعِينَ » ، « إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ ويَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ » .
( 5 ) « فسِرُّ القدر من أجلِّ العلوم . . . فالعلم به يعطي الراحة الكلية للعالِم به ، ويعطي العذاب الأليم للعالم به أيضاً » .
سر القدر إما الأعيان الثابتة للموجودات الحاصلة من الأزل في العلم القديم ، أو كون الموجودات تظهر في وجودها على نحو ما كانت عليه في ثبوتها . فالعلم بسر القدر إذن هو العلم بسر الوجود وحقيقته ، لأن به ينكشف معنى الوجود ومعنى شيئية الأشياء ، وكيف ظهرت على النحو الذي ظهرت عليه . كذلك تنكشف به الصلة بين الحق وبين هذا النظام الوجودي الذي نسميه بالعالم ، ويظهر للعالم به كيف يقرر كل موجود مصيرَه بنفسه . لا عجب إذن أن العلم بسر القدر مصدر راحة تامة لصاحبه ومصدر عذاب أليم له أيضاً . فهو مصدر
فصوص الحكم — صفحة 166
مساهمون: ابن عربي
ص١٦٦