تخطي إلى المحتوى الرئيسي

فصوص الحكم — صفحة 168

مساهمون:

ص١٦٨
نفسه بالغضب والرضا بل وسائر الأسماء الإلهية المتقابلة . والمراد بالغضب هنا جملة الصفات الإلهية التي يسميها الصوفية « صفات الجلال » ، وبالرضا جملة الصفات التي يسمونها « صفات الجمال » . وكلا النوعين يتصف به الحق من حيث صلته بالخلق أو بالعالم . وقد ذكرنا أن كل ما يظهر في الوجود إنما يظهر بالصورة التي تقتضيها عينه الثابتة . فمن الموجودات ما تتجلى فيه جميع الصفات الوجودية كالإنسان الكامل ، ومنها ما هو دون ذلك كسائر بني الإنسان ، ومنها ما هو على حظ من الوجود أدنى من ذلك كالحيوان والنبات والجماد . ومن الخلق من تصدر أفعاله موافقة لأوامر الشرع ، ومنهم من يخالفه . وكذلك منهم من قدر له أن يفعل ما يسميه العرف خيراً ومن يفعل ما يسميه العرف شراً وهكذا . وهذه تفرقة نجدها في الديانات المنزلة جميعها ، ونجد أن الحق قد وصف نفسه بالرضا بالإضافة إلى نوع من الخلق وبالغضب بالإضافة إلى نوع آخر . ولكن « الحق » كما يتصوره ابن عربي ليس ذلك الإله الذي يغضب ويرضى ويحب ويكره كما تتحدث عنه الأديان ، لأنه ليس « شخصية » تتجمع فيها هذه الصفات ، وإنما هو الوجود كله ، أو هو باطن الوجود والعالَمِ ظاهره . لم يبق إذن إلا أن نقول إن هذه الصفات إن هي إلا أسماء تعبر عن نسب أو إضافات بين الحق والخلق من وجهة نظر خاصة هي وجهة نظر الدين . فإذا أتى الإنسان معصية مثلًا اقتضى ذلك - من ناحية الدين - عقابه وغضب الله عليه . ولكن ابن عربي لا يقول بالعقاب ، ولا بغضب الله إلا من ناحية أنه مجرد اسم أطلق عليه . بإزاء العبد العاصي . إن منطق مذهبه في الجبر لا يسمح إلا بهذا وإلا تناقض مع نفسه ، فإن العالم الذي تصور كل ما يجري فيه خاضعاً لطبيعة وجوده لا يمكن أن يكون به متسع لغضب الله ورضاه . وقد صرح نفسه بذلك في الفص السابع عندما قال : والسعيد من كان عنده مرضياً ، وما ثَمَّ إلا من هو مرضي عند ربه ( أي الاسم الذي يتجلى فيه ) . قارن التعليق الرابع على هذا الفص .