تخطي إلى المحتوى الرئيسي

فصوص الحكم — صفحة 167

مساهمون:

ص١٦٧
راحة من حيث إنه يكشف لصاحبه أن كل ما يجري في الوجود إنما هو نتيجة للقوانين المغروسة في طبيعة الوجود ذاتها ، وأن كل إنسان مقدّر عليه أن يكون ما هو عليه في الواقع ، وأن يظهر بالصورة التي ظهر فيها . لا مناص من ذلك ولا معدى عنه . ومن شأن هذا العلم أن يبعث في نفس صاحبه الرضا التام بكل ما يحكم به القضاء ، وأن يوقفه من الوجود كله موقف التفاؤل . وأي شيء أدعى للتفاؤل وأجلب لرضا النفس من أن تعلم أن كل ما يصد منها إنما هو من غرس يدها ومن مقتضى طبيعتها ، وأن كل جزاء تلقاه إنما هو جزاء عادل ؟ وأي رحابة صدر بل أي تسامح أعظم من ذلك الذي يشعر به الواقف على سر القدر وهو ينظر إلى غيره من العباد وقد ضلوا سواء السبيل وارتكبوا المعاصي والآثام ؟ بل أي الناس أقبل منه لما يأتي به قضاء الله المحتوم من محن وآلام ، وأبعد عن الشكوى ولو كانت إلى الله ؟ ولكن العلم بسر القدر كما يورث صاحبه كل الراحة والطمأنينة النفسية والتفاؤل ، يورثه ، من ناحية أخرى الألم والقلق والتشاؤم ، لأنه يرى في الكون شقاءً كثيراً وآلاماً مبرحة ومعاصي ترتكب ضد أوامر الدين ونواهيه ، ولكنه قد لا يعلم في الوقت نفسه إذا كان الخلاص من كل هذه الشرور وقد قُدِّر أيضاً في طبيعة الوجود كما قدرت الشرور ذاتها . والعلم بسر القدر من مكنونات أسرار الله وحده ، ولكنه قد يطلع عليه من يختصه بفضله من عباده ، وهؤلاء قد يقفون على سر القدر مجملًا أو مفصلًا ، وبذلك يعلمون ما في علم الله ، وتنكشف لهم أعيان الموجودات الثابتة وانتقالات الأحوال عليها إلى ما لا يتناهى . وبذلك يأخذون العلم بحقائق الأشياء من نفس المعدن الذي يأخذ الله منه علمه بها . راجع الفص الثاني . ( 6 ) « وبه وصف الحق نفسه بالغضب والرضا ، وبه تقابلت الأسماء الإلهية » . سر القدر هو القانون المتحكم في الوجود كما قلنا ، ومن أجله وصف الحق