فا لله قد فضل بعض الرسل على بعض - لا بمعنى أنه خص بعضهم بفضل ما وحرم الآخرين منه ، أو أكرم بعضهم أكثر مما أكرم غيره ، أو غير ذلك مما هو أدخل في المعاني الخلقية ، ولكنه بمعنى أنه أرسل بعض الرسل برسالات لم يرسل بها غيرهم لاختلاف الأمم في مدى استعدادهم لقبول الرسالات الإلهية والعمل بها . فاختلفت الرسل ، واختلفت رسالاتهم باختلاف أممهم . وفي هذا الاختلاف معنى التفاضل ، ولكنه ليس تفاضلًا أخلاقياً ولا تفاضلًا يستند إلى قيمة الرسول عند الله . ليس أحد من الرسل أفضل من الآخر في عمله ولا في درجة قربه من الله ، ولكن الرسل يتفاوتون فيما أرسلوا به من الشرائع والأحكام ، كل في الزمان والمكان وإلى الأمة التي هي أحق من غيرها برسالته . فالشرائع إذن تختلف بساطة وتعقيداً كما تختلف في أنواعها ، ويحددها في حالة كل رسول طبيعة الأمة التي أرسل إليها وظروفها ، فهي متفاضلة أي مختلفة متفاوتة ، وكذلك الرسل المرسلون بها .
ولكن لكل رسول نوعين من العلم يختلف فيهما عن غيره من الرسل :
الأول العلم الخاص بشريعته : وهذا مقيد كما قلنا بظروف الأمة التي بعث إليها .
الثاني علم بالأمور الأخرى غير المتصلة بشريعته وهذا مقيد بطبيعته هو واستعداده .
أما الأنبياء فيقع التفاضل بينهم - أي الاختلاف - في النوع الثاني فقط ، ومن أهم أجزائه العلم بالمغيبات وأما غير الأنبياء والرسل من الخلق فيقع التفاضل بينهم في الرزق ، والرزق منه ما هو مادي كالأغذية ومنه ما هو روحاني كالعلوم . ولا يعطي الحق العباد من الرزق إلا بقدر استحقاقهم ، واستحقاقهم هو استعدادهم أو ما تتطلبه حقائقهم وأعيانهم الثابتة . فالتفاضل في الأحوال الثلاثة اختلاف وزيادة ونقص لا تمييز وأفضلية .
( 4 ) « فالتوقيت في الأصل للمعلوم ، والقضاء والعلم والإرادة والمشيئة تبع للقدر » .
عرَّف « القدر » في أول الفص بأنه « توقيت ما هي عليه الأشياء في عينها من غير مزيد » ، كما عرَّف القضاء بأنه « حكم الله في الأشياء » . فالقدر هو
فصوص الحكم — صفحة 165
مساهمون: ابن عربي
ص١٦٥