تخطي إلى المحتوى الرئيسي

فصوص الحكم — صفحة 164

مساهمون:

ص١٦٤
فمنهم تصدر الأفعال ، وفي ذواتهم تتقرر من الأزل . ولا يحكم قضاء الله على الأشياء إلا بها - أي بمقتضى طبيعتها ، فهي الحاكمة على نفسها بما استقر في أعيانها الثابتة . وليس لله في الأمر إلا أن تقتضي عنايته تحقق ما في هذه الأعيان على ما هي عليه . فإن فَعَلَ الإنسان الخير فمن استعداده الأزلي لفعل الخير ، وإن فعل الشر فمن استعداده الأزلي لفعل الشر ، وهو يجني في الحالين ثمرة غرسه ، أو ثمرة ما غُرسَ في جبلته . فإن قيل فما معنى الجزاء ، وما معنى الثواب والعقاب في مذهب جبري كهذا المذهب ، أجاب ابن عربي أن الثواب والعقاب ليسا إلا اسمين لما عليه حال العباد من طاعة أو معصية ، وما يعقب هذه الحالة من لذة أو ألم في حياة العباد في هذه الدنيا نتيجة لأفعال طاعتهم أو معصيتهم . بل إن هذه الحال نفسها من جملة الأحوال التي تقتضيها أعيان العباد في فطرتها الأولى . فكما أن العبد مفطور على فعل الخير أو الشر ومفطور على عمل الطاعة أو المعصية ، كذلك هو مفطور على أن يكون شقياً أو سعيداً بأفعاله . ومعنى هذا أن الثواب والعقاب ليسا جزاء من الله يقضي به في الدار الآخرة ، بل هما أقرب ما يكون إلى الجزاء الطبيعي الذي يجلبه على الفاعل فعله . قارن ما ورد في الثواب والعقاب وحمد الإنسان وذمه نفسه : الفص الخامس : التعليقان 6 ، 7 ، والسابع : التعليق 11 ، والثامن التعليقان 5 ، 6 ، والعاشر : التعليق 2 إلخ . ( 3 ) « تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنا بَعْضَهُمْ عَلى بَعْضٍ » ( قرآن س 17 آية 55 ) . التفاضل حاصل بين الرسل كما نصت عليه الآية المذكورة وبين النبيين بدليل قوله تعالى « ولَقَدْ فَضَّلْنا بَعْضَ النَّبِيِّينَ عَلى بَعْضٍ » ، بل بين الناس عامة كما قال تعالى « والله فَضَّلَ بَعْضَكُمْ عَلى بَعْضٍ في الرِّزْقِ » . وعلى هذه الآيات يبني ابن عربي نظرية لا تخلو من طرافة في معنى أفضلية بعض الرسل على بعض ، وأفضلية بعض الخلق على بعض ، كما يشير إلى اختلاف الرسل في رسالاتهم باختلاف الأمم التي أرسلوا إليها .
فصوص الحكم — صفحة 164 | ابن عربي