الفص الرابع عشر
( 1 ) يتصل موضوع هذا الفص اتصالًا وثيقاً بموضوع الفص السابق في كثير من الوجوه لأنه يبحث في مشكلة القضاء والقدر التي هي مشكلة عالم الغيب حيث التقدير الأزلي والجبرية التي يخضع لها الوجود بأسره . وقد شرحنا في مواطن أخرى من هذا الكتاب معنى « سر القدر » وما يتصل به من بعض المسائل ، ولكننا لم نشر بعد إلى الصلة بين القضاء والقدر ، ولا بين القدر ومسألة الخلق ، كما أننا لم نتعرض لذكر معرفة الإنسان بعالم الغيب ومدى إمكان هذه المعرفة . وهذه كلها أمور يناقشها المؤلف في هذا الفص .
وقد صوِّر لنا عُزَيْراً في صورة النبي الذي ينشد المعرفة بعالم الغيب عن طريق الوحي ويطلب الاطلاع على سر القدر ، وساق لنا الآية التي أخبر الله عز وجل فيها عن عزير أنه قال في قرية من القرى « أَنَّى يُحْيِي هذِه الله بَعْدَ مَوْتِها ؟ » ، مظهراً بذلك شكه وعَجَبه ، ومستلهماً من الله حكمته الأزلية في إماته القرية . ثم بيَّن أن العلم بسر القدر ليس مما يوحَى به إلى الأنبياء ، وإنما هو أمر ينكشف للعارفين من الأولياء انكشافاً ذوقياً ، وهنا نراه يقابل بين الأنبياء والأولياء من جهة ، وبين علم الأولين ومعرفة الآخرين من جهة أخرى .
والحقيقة : أن مسألة عزير عن القرية ليس لها كبير صلة بموضوع الفص ولكنه يتخذ الآيات القرآنية الواردة فيها أساساً يبني عليه آراءه في القضاء والقدر ويخرج منها المعاني الفلسفية والصوفية التي يريدها .
( 2 ) « فَلِلَّه الْحُجَّةُ الْبالِغَةُ » ( قرآن س 6 آية 150 ) .
أي فللَّه الحجة البالغة على عباده ، لأنهم استحقوا الثواب والعقاب بذواتهم ،
فصوص الحكم — صفحة 163
مساهمون: ابن عربي
ص١٦٣