( 6 ) « وقد أدرج في الشفع * الذي قيل هو الوتر » .
الشفع هو العالم والوتر هو الواحد الحق - الذات الإلهية أو المطلق . والمراد أن الذات الإلهية المطلقة قد أدرجت في العالم كما أدرج العدد « واحد » في العدد « اثنين » . وهذا التمثيل الرياضي البديع يشرح لنا نظرية ابن عربي شرحاً دقيقاً ويميز بينها وبين النظريات الأخرى التي قد تختلط بها كنظرية الحلول أو نظرية الفيوضات التي قال بها أفلوطين . ليس العالم فيضاً عن « الواحد المطلق » كما قال أفلوطين ، بل هو هو ذلك الواحد متجلياً في صورة الممكنات المتعينة : أي أنه « المطلق » الذي جرده العقل من إطلاقه عندما تصوره في صورته المقيدة .
فكما أن « الواحد » العددي هو جوهر الاثنين والثلاثة وسائر الأعداد ، وكما أن الأعداد ليست في الحقيقة إلا صوراً معقولة للواحد المندرج فيها جميعاً ، كذلك الحال في الواحد الحق والكثرة الوجودية التي نسميها بالعالم . فالواحد العددي ليس له إلا دلالة واحدة وإشارة واحدة وهي إشارته إلى ذاته ودلالته على هذه الذاتية . أما الأعداد الأخرى فلكل منها دلالتان أو إشارتان : دلالته على نفسه كدلالة الاثنين على الاثنين والثلاثة على الثلاثة وهكذا . ودلالته على « الواحد » المتكرر أو المندرج فيه . هكذا الوتر والشفع : الحق والعالم - أو بعبارة أدق الذات الإلهية والعالم . فإن الذات الإلهية إذا نظر إليها معراة عن جميع العلاقات والنسب لم يكن لها دلالة ولا إشارة إلا على نفسها وإلى نفسها .
أما العالم الذي هو كثرة من صور الوجود فله إشارتان : إشارة إلى نفسه ، وإشارة إلى الذات المندرجة في كل صورة من صوره . والحقيقة أن الوتر هو الشفع ، ولكنهما متغايران في الذهن ، كما أن الواحد العددي هو عين الأعداد كلها ، ولكنه مغاير لها ذهناً
.
فصوص الحكم — صفحة 162
مساهمون: ابن عربي
ص١٦٢