كان ذلك عين الظلم ، ولكنه لم يفرض عليه شيئاً إطلاقاً ، وإنما فرض على العبد الكفر عينُه الثابتة أو طبيعة وجوده : فإن كان ظلم فهو الظالم لنفسه . ويحق لنا أن نقول أيضاً ، وإن كان عدل فهو العادل في حق نفسه - ولكنا عرفنا فيما سبق أن ابن عربي لا يعتبر الكفر والمعصية ولا أي نوع من أنواع المخالفة للشرع ظلماً أو فجوراً أو شراً إلا من ناحية الدين : أي من ناحية ما ورد في الشرع من أوامر ونواه . أما في ذاتها فكل أفعال العباد مرضية في نظر أربابها ، مقبولة في نظر الحق ، عادلة لا ظلم فيها لأنها تطابق تمام المطابقة قوانين الوجود .
بعد كل هذا ذكر البيتين الآنفي الذكر وختم بهما الفص : وفيهما الشيء الكثير من الغموض مما دعا إلى اختلاف الشراح في فهمهما اختلافاً كبيراً . فكلمة « الكل » الواردة في البيت الأول قد تشير إلى كل « ما هو موجود » ، أو إلى كل ما ذكره قبل ذلك من الكلام عن الأمر الإلهي ( الأمر التكليفي ) وطاعة العبد .
وعلى المعنى الأول يكون معنى البيت : فكل ما هو موجود ينتسب لنا ( الحق ) من وجه ، وينتسب لهم ( الخلق ) من وجه آخر : أي أن الوجود حق وخلق ، أو حق في خلق كما بيَّن ذلك مراراً . وعلى المعنى الثاني يكون معناه : فكل ما ذكرناه من أمر وطاعة صادر منا - لأنا نأمر العباد ونطيعهم بأن ننقاد إلى ما تتطلبه أعيانهم من حقائق الوجود وصادر منهم لأنهم يأمروننا بأن يطالبونا بما تقتضيه أعيانهم ، وفي الوقت نفسه هم يطيعون أوامرنا . فالأمر والطاعة من الطرفين على قدم المساواة وكذلك يقع الإبهام في كلمة « الأخذ » التي قد تفهم بمعنى استمداد المعرفة ، أو استمداد الوجود ، وعلى المعنى الأول يستمد العبد معرفته الحقيقية من الحق . ويستمد الحق علمه بالعبد من ذات العبد وعينه الثابتة . وعلى المعنى الثاني يستمد العبد وجوده من الحق ، ويستمد الحق وجوده الظاهر ووجود ألوهيته من الخلق . بل إن اللبس قد وقع في الضمائر الواردة في البيتين في قوله
فصوص الحكم — صفحة 160
مساهمون: ابن عربي
ص١٦٠