من المعجزات بين الناس فيحملوهم على الاعتقاد برسالتهم والتصديق بهم . هذا حق للأنبياء المرسلين ، ولكنهم لو أدركوا الأمر على حقيقته كما يدركه العارفون - وهم لا شك يدركونه - لصدفوا عن التصرف وتركوه جانباً ، إلا أن يكون الله قد قدر أزلا أنهم سيتصرفون على نحو ما ، تحقيقاً لغرض معين .
هذا جانب من جوانب الجبرية في الموضوع . وهناك جانب آخر لا يقل عنه في أهميته . إذا كانت اعتقادات الخلق في الحق مقدرة أزلًا ، وإذا كان كل إنسان يولد عاصياً أو مطيعاً نتيجة لما طبعت عليه عينه الثابتة في العلم القديم ، وإذا كان التصديق بالرسل والتكذيب بهم جزءاً من النظام العالم المقرر أزلًا ، فما قيمة تصرف الأنبياء وإظهارهم المعجزات ؟ نعم يقول الله عز وجل « والله يَهْدِي من يَشاءُ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ » ولكنه يقول أيضاً « وهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ » أي الذين اقتضت أعيانهم الثابتة هدايتهم فعلم الله ذلك منهم أزلًا ، وعلم أنهم لن يحولوا عن طريق الهداية أبداً كما أن أهل الضلال لن يحولوا عن طريق ضلالهم مهما بذل رسلهم من تصرف وأظهروا من معجزات .
( 5 ) « فالكل منا ومنهم * والأخذ عنا وعنهم » ( البيتان ) .
شرح بما لا مزيد عليه من الوضوح أن الهداية والضلال مقدران أزلا على كل مهتد وضال ، وأن ذلك التقدير الأزلي راجع إلى طبيعة الأشياء ذاتها ، وأنه وليس شيئاً آخر فرضته قوة خارجة عن القوة السارية في الوجود بأسره . فإن قيل أن الكفر مقدر على الكافر ، وإن الإيمان مقدر على المؤمن ، كان معنى ذلك أن العين الثابتة في العلم الإلهي اقتضت كفر الكافر وإيمان المؤمن - لا أن الحق تعالى قدر الكفر على الكافر ثم طالبه بما ليس في وسعه أن يأتي به . هكذا فهم ابن عربي العدالة الإلهية وهي عدالة سلبية أو عدالة معطلة لأن العدالة الحقيقية عمل إرادي يصدر ممن في قدرته أن يعدل وأن يظلم ، والحق في نظر ابن عربي ليس له إلا إرادة الموجود الثابت ، أوليس له إرادة أصلًا . نعم لم يفرض الحق على العبد الكفر ثم يطالبه بالإيمان وإلا
فصوص الحكم — صفحة 159
مساهمون: ابن عربي
ص١٥٩