تخطي إلى المحتوى الرئيسي

فصوص الحكم — صفحة 157

مساهمون:

ص١٥٧
سبب ، وهناك سبب آخر من أجله ترك العارفون من الصوفية التصرف وتبرؤا منه : وذلك أنهم أدركوا أنه لا شيء يظهر في الوجود إلا بحسب ما كان عليه في حال ثبوته الأزلي : أي أدركوا أن الأمور مقررة مقدرة أزلًا ، وأن لا قوة في الوجود أياً ما كانت تستطيع أن تمحو كلمة واحدة مما خطته يد القدر : ففيم إذن يتصرفون ؟ ولِمَ يتصرفون ؟ إن المنازع الذي يعصي رسول الله لم يتعد حقيقته ولا أخل بطريقته : إنه يسير في الطريق التي رسمتها له طبيعة الوجود ولا مفر له من أن يسير فيها . ومهما يحاول الرسول رده عن هذه الطريق بهمته أو بغيرها لا يجديه ذلك فتيلًا . ألم يقل الحق لنبيه عليه السلام : « إِنَّكَ لا تَهْدِي من أَحْبَبْتَ ؟ » وقال « لَيْسَ عَلَيْكَ هُداهُمْ ولكِنَّ الله يَهْدِي من يَشاءُ » . على أن هذا المنازع ليس إلا منازعاً في الصورة ، ومن قبيل العرض البحت ، وإلا فهو في حقيقة الأمر مطيع خاضع لقانون الوجود الذي هو القانون الإلهي . راجع ما قلناه عن الأمر التكويني والأمر التكليفي وما ذكرناه عن نظرية المؤلف في الجبرية . ( الفص الخامس : التعليق 4 ، 5 ، 6 ، والفص السابع التعليق 4 ، والفص الثامن التعليق 6 ، والفص العاشر التعليق 6 إلخ ) . ( 3 ) « والهمة لا تفعل إلا بالجمعية التي لا متسع لصاحبها إلى غير ما اجتمع عليه » . الظاهر أن المراد بالجمعية هنا جمعية القلب ، أي تركيزه وتوجيه نشاطه الروحي نحو أمر من الأمور أو شيء من الأشياء بقصد التصرف فيه حسبما يريد العارف . ولكن هذه الجمعية القلبية لا تتم أبداً لصاحب المعرفة الكاملة لأن شعوره بالعجز والقصور ، وإدراكه أن ما أودع فيه من القدرة على التصرف في الأشياء ليس له وأنه مجرد أداة في يد الحق ، يقفان حائلًا دون حصول هذه الجمعية في قلبه . وإذا لم تحصل الجمعية القلبية في العارف لا يحدث التصرف ، وهذا هو معنى ترك كبار الصوفية للتصرف مع قدرتهم عليه كما فعل الشيخ أبو السعود بن الشبل البغدادي تلميذ الشيخ عبد القادر الجيلاني ، وكما فعل الشيخ