تخطي إلى المحتوى الرئيسي

فصوص الحكم — صفحة 156

مساهمون:

ص١٥٦
ويدرك أن من الجهل وسوء الأدب مع الله التصرف بها فيترك التصرف لصاحبه ويرجع بنفسه إلى الحال الأولى التي هي حال العجز المطلق . هذا هو التفسير الصوفي الفلسفي الذي وضعه ابن عربي لقوله تعالى « الله الَّذِي خَلَقَكُمْ من ضَعْفٍ ثُمَّ جَعَلَ من بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةً ، ثُمَّ جَعَلَ من بَعْدِ قُوَّةٍ ضَعْفاً وشَيْبَةً » ( قرآن س 30 آية 54 ) ولعله يفهم الشيبة على أنها رمز لحالة النضوج في المعرفة الصوفية . ( 2 ) « وذلك أن المعرفة لا تترك للهمة تصرفاً . فكلما علت معرفته نقص تصرفه بالهمة » . يدعي جمهور الصوفية أن العارفين منهم المتحققين بمقام الولاية والواصلين إلى درجة القرب من الله ، تظهر على أيديهم الكرامات وخوارق العادات ، ويرسلون هممهم على من يريدون وما يريدون فيتصرفون في الجميع ويسخرون الناس والأشياء . ولكن ابن عربي الذي يخضع لمنطق مذهبه في وحدة الوجود يرى أن هذه دعوى لا أساس لها عند العارف المحقق الواقف على الأمر كما هو عليه . إذ العارف الذي وصل إلى مقام الجمع - أو مقام الفناء كما يسمونه - وتحقق من الوحدة الوجودية للأشياء ومن وحدته الذاتية مع الحق ، يترك التصرف مع قدرته عليه ، ويزهد فيه ، وإن تصرف عرف من هو المتصرِّف ومن المتصرِّف فيه ، وبأي معنى نَسَبَ التصرف إلى نفسه . إنه يدرك في هذا المقام أنه مجرد صورة لا وجود ولا قيمة لها في ذاتها - وهذا هو التحقق بالعبودية الكاملة - ويدرك من ناحية أخرى أحدية المتصرِّف والمتصرِّف فيه فلا يرى غيراً يسلط عليه همته أو يرسل عليه تصرّفه . فهو من جهة يرى أن إرادته ليست سوى إرادة الحق فيه ، ومن جهة أخرى يرى أن غيره من الموجودات التي يؤثر فيها بهمته وتصرفه ليست سوى مجال للحق ، بل هي عين الحق لا غيره : فكيف عن التصرف ويدرك أنه ليس له من الأمر شيء . هذا