الفص الثالث عشر
( 1 ) من أهم المسائل التي تثار في هذا الفص مسألة « القوة » : مصدرها وظهورها في الإنسان ، وصلتها بقوته الروحية المسماة بالهمة ، ومتى يجب عليه أن يستخدمها في التصرف بوساطة هذه القوة ، ومتى ينبغي عليه أن يكف عن هذا التصرف .
ويظهر أن المراد بقوم لوط شهوات النفس البهيمية ، وبلوط نفسه تلك القوة الروحية التي تضبط هذه الشهوات وتتصرف فيها . فهو رمز إما للهمة نفسها أو لقوة روحية أعلى تعرف كيف ومتى تستخدم الهمة .
وقد سبق أن شرحنا معنى الهمة وبيَّنَّا بعض نواحيها ووظائفها في الفص السادس ( التعليق الثامن ) والفص الثاني عشر ( التعليق التاسع ) . أما في هذا الفص فيشرح المؤلف التصرف بها ويفسر كيف يفهم العارف التصرف ولِمَ يحجم عنه مع قدرته عليه مستنداً في ذلك إلى نظريته العامة في وحدة الوجود .
يقول إن الإنسان خُلِقَ من ضعف ، فلا حول ولا قوة له في ذاته ، لأنه لا وجود له في ذاته ، والقوة مظهر من مظاهر الوجود ، بل الموجود الحقيقي والقويُّ الحقيقي هو الحق وحده . فإذا آنس الإنسان من نفسه قوة فالحق واهب هذه القوة ، بل هو صاحبها ومالكها ، ولكن في صورته . أي أن الإنسان يظهر بالقوة لأنه مظهر الحق والحق قوي في ذاته ، والإنسان قوي بالعرض . هذا دوران أو طوران للإنسان وإن شئت فقل اعتباران : ضعف أصيل وعجز ذاتي ثم قوة إضافية أو عرضية . وهنالك دور ثالث وهو دور العارف الذي يأنس من نفسه تلك القوة العارضة كما يحسها سائر المخلوقات ، ولكنه يدرك أن هذه القوة ليست له ، بل للقويِّ على الإطلاق وهو الله ،
فصوص الحكم — صفحة 155
مساهمون: ابن عربي
ص١٥٥