العالم دليل قاطع على حدوثه وإمكانه وافتقاره إلى محدث يحدثه ويحدث فيه ذلك التغير . ولكن ابن عربي اعتبر الحدوث والافتقار قاصرين على الصور ، ولم ير داعياً لفرض خالق أو محدث للذوات .
ومن مواضع الشبه أيضاً بين نظريتهم ونظريته مسألة تجدد الأعراض الذي سماه هو بالخلق الجديد كما أسلفنا . أما الحسبانية ( بكسر الحاء أو ضمها ) فهم فرقة من السوفسطائيين زعمت أن كل شيء في العالم ، جوهراً كان أو عرضاً ، متغير متبدل ، وأن الدوام والاستقرار لا يحملان على شيء ما ، وإذن لا يمكن أن يكونا صفتين تتميز بهما الحقيقة . بل الحقيقة ليس لها وجود إلا فيما تدركه الآن ، وهي حقيقة بالإضافة إليك .
وكلمة حسبانية مشتقة من « حَسِبَ » بمعنى طن أو اعتقد . فالحقيقة حقيقة في حسبان هذا الشخص أو ذاك لا في ذاتها .
وكلا الفريقين - الأشاعرة والحسبانية - مخطئ في نظر ابن عربي : ولو أنهما لَمَسَا جانباً من الحق : فالأشاعرة لم يدركوا العالم على حقيقته : أي لم يدركوا أن العالم جملة من الأعراض والظواهر يقوِّمها جوهر واحد هو الذات الإلهية ، بل افترضوا وجود جوهر أو جواهر إلى جانب هذه الذات حيث لا وجود لهذه الجواهر . أما الحسبانية فلم يدركوا أن وراء هذه الظواهر المدركة بالحس ، المتغيرة على الدوام ، جوهراً غير محسوس لا يتغير ولا يقبل الانقسام في ذاته ، فقصروا الحقيقة على ما هو متغير ومحسوس : مع أن الأمور المتغيرة ليست إلا صوراً ولا يمكن أن توجد أو تتصور موجودة إلا في ذلك الجوهر غير المحسوس الذي يقومها .
( 14 ) « كالتحيز في حد الجوهر القائم بنفسه الذاتي وقبوله للأعراض حد له ذاتي » .
يشير إلى أن تعريف الأشاعرة للأشياء يدل على فساد نظريتهم لأنهم يعرفون
فصوص الحكم — صفحة 153
مساهمون: ابن عربي
ص١٥٣