تخطي إلى المحتوى الرئيسي

فصوص الحكم — صفحة 152

مساهمون:

ص١٥٢
نحو يتجدد في كل آن منذ الأزل ، وبعد أن قرر أن هذا هو الخلق الجديد الذي ذكره القرآن ، أشار إلى أقرب مذاهب مفكري الإسلام من مذهبه ، فقال إن الأشاعرة أدركوا جزءاً من هذه الحقيقة في نظريتهم في تجدد الأعراض ، وأدركها الحسبانية في نظريتهم في طبيعة العالم كله . قال الأشاعرة إن العالم مؤلف من جوهر وأعراض ، وإن الأعراض في تغير وتبدل مستمرين بحيث لا يبقى واحد في جوهر آنين ، ونسبوا كل صور الموجودات وكثرتها وتعددها إلى اختلاف الأعراض المتجددة على الجوهر الواحد . ولا شك عندي أن هذه النظرية الذرية التي قالوا بها - وإن كانت بعيدة كل البعد عن فكرة وحدة الوجود ، لأن الأشاعرة يثبتون وجود إله خالق إلى جانب الجواهر والأعراض - كان لها أكبر الأثر في الإيحاء بفكرة وحدة الوجود التي قال بها ابن عربي ، لأنه لمّا أحلّ « الحق » محل جوهر الأشاعرة استقامت له نظريته وأصبحت نظرية واحدية بعد أن كانت ثنائية ، وأصبح الوجود منحصراً في الجوهر الواحد ( الذات في اصطلاحه ) والأعراض التي تختلف عليه ( الصور الوجودية في مذهبه ) : وسقطت من نظرية الأشاعرة فكرة الخلق بالمعنى الصحيح ، وأصبح ظهور الصور في الذات الواحدة أمراً تلقائياً ضرورياً . وأقوى وجوه الشبه بين نظرية الأشاعرة ونظريته هو أن الأشاعرة ردوا الكثرة الوجودية في العالم إلى جوهر واحد مؤلف من ذرات أو جواهر فردة لا نهاية لعددها ، وقالوا إن هذه الذرات لا يمكن معرفتها ولا وصفها إلا عن طريق ما يعرض لها من الأعراض التي تتغير وتتبدل في كل آن . فإذا اجتمعت على نحو ما أو افترقت ولحقها هذا العرض أو ذاك ، ظهرت بصورة من صور الوجود سرعان ما تخلعها وتلبس صورة أخرى غيرها . هكذا تظهر الموجودات وتتبين لنا صفاتها التي يسمونها بالأعراض . ولكن الأشاعرة يختلفون عن ابن عربي في أنهم يرون أن مجرد التغيير في العالم