ونلاحظ أنّ الكلام عند الإماميّة وإن كان أساسه في البداية مقتبسا من المعتزلة « 1 » ، بيد أنّه وجد له أسسا خاصّة يقوم عليها بفضل توجيه الأئمّة الأطهار عليهم السّلام ، وظهور عدد من العلماء الكبار في أوساطهم . وحصل خلاف عقيديّ بين متكلّمي الإماميّة والمعتزلة حول كثير من الموضوعات . واحتدمت سوق المناظرات بينهما .
وصنّفت كلّ طائفة منهما كتبا في الردّ على الطائفة الأخرى .
وعلى الرغم من هذا فإنّهما لم يفترقا في الأصول كثيرا ، بخاصّة أنّ بعض طبقات الشيعة اقترب من المعتزلة عقيديّا ، وكذلك الأمر بالنسبة إلى المعتزلة فإنّ بعض رؤسائهم اقترب من الشيعة . وهذا ما جعل بعض المؤرّخين يواجهون صعوبة في تشخيص عقائد عدد منهم ، فتارة ذكروهم في عداد المعتزلة ، وأخرى في مصافّ الشيعة . وخلط الرجاليّون السنّة بينهما غالبا وعدّوهما طبقة واحدة لا سيّما أنّ إحدى الفرق الشيعيّة الكبيرة وهم الزيديّة نهجوا سبيل الاعتزال لظنّهم أنّ مؤسّس فرقتهم زيد بن عليّ كان تلميذ واصل بن عطاء . وكانوا يفضّلون أئمّة المعتزلة على أئمّة أهل البيت عليهم السّلام . ومن هذا المنطلق رفضت شيعة الكوفة زيدا لمّا سمعت أنّه يتبع المعتزلة في القول بإمامة المفضول ، وعرفوا أنّه ينكر البراءة من الشيخين ( الخليفة الأوّل والثاني ) . وجرت بينه وبين أخيه الإمام محمّد الباقر عليه السّلام مناظرات في هذا الوجه . وقد لامه الإمام من حيث إنّه يقتبس العلم ممّن يجوّز الخطأ على جدّه [ أمير المؤمنين عليه السّلام ] في قتال الناكثين والقاسطين والمارقين ، ومن حيث إنّه يتكلّم في القدر على غير ما ذهب إليه أهل البيت ، ومن حيث إنّه كان يجعل الخروج شرطا في الإمامة « 2 » .
هامش
( 1 ) - هذا الموضوع محل جدل ونقاش ، ولا يمكن البتّ به بهذه السهولة ، وممّا يرجّح أصالة الفكر الكلاميّ الشيعيّ أن متكلّمي الشيعة قد استندوا في قضايا المعتقد إلى كلمات أئمّتهم ، لكن التشابه في بعض المباحث بين الشيعة والمعتزلة لا يدلّ بالضرورة على الاقتباس . ( م )
( 2 ) - الملل والنحل 116 - 117 و 121 .