وكتاب الأركان في دعائم الدين وذكر فيهما ترجمة وافية لمتكلّمي الإماميّة وكتبهم وثناء الأئمّة عليهم . ونقل فيه أنّ فقهاء الإماميّة ورؤساءهم استعملوا المناظرة وآمنوا بصحّتها « 1 » . يضاف إلى ذلك أنّ احتجاجات الأئمّة عليهم السّلام - بخاصّة الإمام الصادق ، والإمام الرضا - مع الزنادقة ، والدّيصانيّة ، وأصحاب أبي حنيفة ، والزيديّة ، والنصارى ، واليهود ، والمجوس كانت مثالا وقدوة لمتكلّمي الإماميّة .
وهؤلاء أيضا كانوا ينتهجون هذا السبيل عملا بتعليمات أئمّتهم ، وتشجيعهم إيّاهم .
لكن الطبقة الأولى من متكلّمي الشيعة ما كانت في البدء موافقة لعقائد الفرقة المذكورة ، بسبب عدم تدوين هذا العلم ، ولم يكن بينهم توافق كامل على تحديد دقيق للاصطلاحات والمباحثات الكلاميّة . ولمّا مال الزنادقة وبعض المسلمين الجدد المغرضين إلى الإماميّة لحقدهم على المعتزلة إذ كانوا يفنّدون عقائدهم تفنيدا شديدا بأدلّة قويّة ، وكانوا قد خلطوا مقالاتهم بمقالات الشيعة ، فقد صدرت مقالات عن بعض متكلّمي الإماميّة تختلف عن الأصول الدينيّة للمذهب الإمامي اختلافا تامّا ، فتصدّى أئمّة الهدى والمقرّبون منهم إلى ردّها ، واطلاع هؤلاء المتكلّمين على خطئهم في اقتباسها وترويجها .
ولمّا لم ينتشر علم الكلام بين الإماميّة حتّى عصر الإمام الصادق عليه السّلام ، فإنّ علماء هذه الفرقة كانوا جميعا على نهج أئمّتهم في الأصول . ثمّ برز الاختلاف بينهم في رواية الأخبار والأحاديث . وانفصلت شريحة المتكلّمين عن الأخباريّة وتمسّكت بأصول الاعتزال « 2 » ، بخاصّة أنّ عددا منهم كانوا من المشبّهة أوّل الأمر ، ثمّ تراجعوا عن عقيدة التشبيه بسبب نهي الأئمّة عليهم السّلام عنها ، ولاختلاطهم بالمعتزلة « 3 » .
هامش
( 1 ) - بحار الأنوار 4 : 375 .
( 2 ) - الملل والنحل 124 و 131 .
( 3 ) - نفسه 132 . وبحار الأنوار 4 : 375 .