وكان جيش إبراهيم بن مالك الأشتر كلّه من الفرس « 1 » . ولمّا قدم عسكر عبد الملك بن مروان لقتاله - وقوامه أربعون ألف جنديّ من أهل الشام - قال له أحدهم وقد كلّف بمفاوضته : لقد اشتدّ غمّي منذ دخلت عسكرك ، وذلك أنّي لم أسمع فيه كلاما عربيّا حتّى انتهيت إليك . وإنّما معك هؤلاء الأعاجم ، وقد جاءك صناديد أهل الشام وأبطالهم ، وهم زهاء أربعين ألف رجل ، فكيف تلقاهم بمن معك ؟ ! فقال إبراهيم : واللّه لو لم أجد إلّا النمل لقاتلتهم بها ، فكيف وما قوم أشدّ بصيرة في قتال أهل الشام من هؤلاء الناس الذين تراهم معي ؟ ! وإنّما هم أولاد الأساورة من أهل فارس والمرازبة « 2 » .
وكان اعتماد المختار على الفرس قد نفّر العرب منه ، فتسلّل جماعة منهم هرّابا إلى مصعب بن الزبير وشكوا إليه المختار بأنّه قتل خيارهم ، وهدم دورهم ، وفرّق جماعتهم ، وحمل أبناء العجم على رقابهم ، وأباح أموالهم . وحثّوه على محاربته « 3 » . ولمّا تمكّن مصعب من المختار قتل زهاء أربعة آلاف من أنصاره الفرس « 4 » .
ولمّا قضي على المختار فقد الشيعة والفرس شأنهم مؤقّتا ، بخاصّة أنّه لم يكن مخلصا في طلبه بثأر شهداء كربلاء « 5 » ، ودعمه للشيعة . وبدأت تصدر منه المزاعم بالتدريج ، وزعم نزول الوحي عليه ، وكانت بعض وعوده كاذبة . وعرف أتباعه بالكذب ودعم الباطل ، فلم يفلح في عمله .
وكان عصر عبد الملك بن مروان ( 65 - 85 ه ) ووالييه الجائرين : الحجّاج بن
هامش
( 1 ) - هذا سهو من المؤلّف وفيه ضرب من الإغراق ؛ فما نقرأه في كتاب الأخبار الطوال ص 293 هو كالآتي : . . . وكان جلّهم أبناء الفرس الّذين كانوا بالكوفة . . . ( م ) .
( 2 ) - الأخبار الطوال 302 .
( 3 ) - نفسه 310 .
( 4 ) - نفسه 315 .
( 5 ) - بل كان مخلصا نزيها كما ذهب إلى ذلك المؤرّخون المنصفون . وإنّما تقوّل عليه الزبيريّون والأمويّون وأرجفوا تشفّيا منه وتشويها لسمعته . ( م )