المأمون إلى أصحاب هذا الاعتقاد ، بل قطع شوطا في هذا المجال بشدّة وتعصّب ، ومهّد هو وأعضاء حكومته الأرضيّة للتضييق على المعارضين ، وبلغت محنة القضاة والشهود والمحدّثين أشدّها .
وكان الإمام أحمد بن حنبل أكثر الناس إصرارا على عقيدته القديمة ، ومعارضة رأي المأمون والمعتزلة « 1 » . ولم يقرّ بهذا القول على الرغم من تشدّد شرطة المأمون إلى أن صفد واشخص إلى المأمون الذي كان يومئذ في الشام ، ولكنّه لم يصل إليه إذ نعي إليهم المأمون وهو في الطريق ، فأرجع إلى بغداد .
وحذا المعتصم حذو أخيه المأمون في هذا الموضوع ، إذ ظلّ الاعتقاد بالقرآن في عهد المعتصم ( 218 - 227 ه ) على ما كان عليه في عصر أخيه . وبلغ أحمد بن أبي دؤاد منصب قاضي القضاة أيّام المعتصم ، فاستخدم سلطته في هذا المجال أكثر من السابق . وتفاقمت الملاحقة « المحنة » في زمن المعتصم ففاقت ما كانت عليه في أيّام المأمون . وبلغت مبلغا أنّ المعتصم كان يكره الإمام أحمد بن حنبل المتمسّك بعقيدته على أن يترك هذه العقيدة بمحضر من الملأ المجتمعين ويناظر المخالفين .
وكان قد أمهله ثلاثة أيّام ، وذلك في سنة 219 ه . ولمّا رأى تمسّكه بعقيدته ، أمر بجلده . فجلد ثماني وثلاثين جلدة ، وعومل بقسوة حتّى أغمي عليه وورم جلده .
ثمّ لمّا خاف المعتصم تمرّد الحنابلة وسائر المعارضين عليه أمر بحبسه . وعندما حكم الواثق نجل المعتصم ( 227 - 232 ه ) ، سار سيرة عمّه وأبيه . وكان يجالس الفلاسفة والمعتزلة وأهل البحث والجدل كعمّه المأمون . وكان من خواصّه :
أحمد بن أبي دؤاد ، وجعفر بن حرب الهمدانيّ ( المتوفّى سنة 236 ه ) ، وهما من كبار رؤساء المعتزلة ، وقام بتفتيش العقائد الدينيّة . وتواصلت « المحنة » في عصره ، فأسخط عليه كثيرا من الناس ، فأطلقوا ألسنتهم في الطعن عليه ولعنه . وأبدى أفراد
هامش
( 1 ) - انظر : تاريخ بغداد 5 : 177 للتعرّف على تفصيل ذلك الإصرار وتعذيب أربعة من علماء مرو .