عقائدهم ، فتمهّدت الأرضيّة في كثير من المدائن الإسلاميّة لإيذائهم .
وبلغ المعتزلة ذروة عزّهم واقتدارهم في الفترة الواقعة بين حكم المأمون وحكم المتوكّل ( 198 - 232 ه ) ، ذلك أنّ المأمون كان عارفا بعلم الكلام ، ومن محبّي البحث والجدل في المسائل الدينيّة . وكانت له صداقة عامّة مع المعتزلة .
ونقل عنه دعوته المتكلّمين من مناطق مختلفة إلى بغداد وحثّهم على المناظرات في المسائل الاعتقاديّة . كما طلب كتب الفلسفة اليونانيّة من الخارج وشجّع المترجمين على ترجمتها وشرحها . وكان يمضي معظم أوقاته مع أبي إسحاق إبراهيم بن سيّار النظّام ، وأبي الهذيل العلّاف ، وثمامة بن الأشرس ، وأبي عبد اللّه أحمد بن أبي دؤاد الإياديّ ( المتوفّى سنة 240 ه ) ، وهم من رؤساء المعتزلة الكبار .
وهذا ما جعله يتعلّق بالمعتزلة تعلّقا قلبيّا ، ويناصر عقائدهم بسبب تلك المعاشرة ، لكنّه لم يبد تعصّبا يذكر في هذا المجال ، بل كان يرغب كثيرا في أن يتناظر متكلّمو الفرق المختلفة فيما بينهم ويثبتوا حقّانيّة عقائدهم بإقامة البرهان والحجّة . وهو نفسه كان يقول : غلبة الحجّة أحبّ إليّ من غلبة القدرة ؛ لأنّ غلبة القدرة تزول بزوالها وغلبة الحجّة لا يزيلها شيء « 1 » .
وقيل إنّ المأمون ركن إلى الاعتزال بواسطة ثمامة بن الأشرس « 2 » . وقرّب إليه أحمد بن أبي دؤاد الذي كان في عداد الشعراء والمتكلّمين والفصحاء أولي الشأن ، وفوّض إليه القضاء . وكان يحترمه احتراما بالغا حتّى إنّه أوصى أخاه المعتصم أن يستشيره في أموره جميعا ، ولا يختار وزيرا غيره .
وكان أحمد بن أبي دؤاد من تلاميذ وأصل بن عطاء . وساعد نفوذه في حكومة المأمون ، وميل المأمون إلى الاعتزال على أن يمسك المعتزلة بزمام الأمور تقريبا .
هامش
( 1 ) - تاريخ بغداد للخطيب البغداديّ 10 : 186 .
( 2 ) - الفرق بين الفرق 157 .