القرآن ، بل غلافها أيضا أزليّ « 1 » ، وكان الإمام أحمد بن حنبل نفسه لا يرى مصلحة في البحث في هذا الموضوع أساسا ، إذ يعدّه مخالفا لسيرة السلف ، وكان ينهى أتباعه عن الخوض به « 2 » .
وذهب المعتزلة والشيعة إلى سخف هذه العقيدة ، وذكروا أنّ الكلام فعل اللّه ، فلا يمكن القول بقدمه وأزليّته ، بل القرآن مخلوق وحادث . ومعنى قولنا : إنّ اللّه متكلّم أنّه يوجد الكلام في بعض الأجسام . ويقول أبو الحسين الخيّاط المعتزليّ :
لعمري أن لو عاش النبيّ عليه السّلام في زمان المعتزلة لنصّ لأمّته على خلق القرآن نصّا مفسّرا « 3 » .
كان البحث في كلام اللّه - وهو ما احتدم بعد ظهور الأشاعرة - من أوّل وأهمّ المباحث الّتي حام حولها الجدل بين المسلمين . ولمّا كان هذا المبحث مطروحا بين الفرق الإسلاميّة قبل انتشار كتب الفلسفة ، ولم يهتمّ به الفلاسفة كثيرا ، فإنّ البعض يرى أنّ علم الكلام عرف بهذا الاسم للسبب المذكور .
وكان الاعتقاد بقدم القرآن عامّا تقريبا في أواخر العصر الأمويّ . ولم يجرؤ أحد على معارضته . وكان الجعد بن درهم أوّل من عارضه ، إذ أظهر الاعتقاد بخلق القرآن . وذكرنا سابقا أنّه قتل في أيّام هشام بن عبد الملك ( 105 - 125 ه ) لهذا السبب .
وشاع الاعتقاد بخلق القرآن في زمن هارون الرشيد بسبب نفوذ المعتزلة ، غير أنّ قدرة الرشيد وتعصّبه حالا دون جهر المعتزلة برأيهم هذا ، بخاصّة أنّه كان يقتل كلّ من يتظاهر بهذه العقيدة شرّ قتلة .
وأصبح هذا الاعتقاد علنيّا في عصر المأمون ، كما ذكرنا ذلك سابقا . وانحاز
هامش
( 1 ) - شرح المقاصد 2 : 99 .
( 2 ) - تلبيس إبليس 94 .
( 3 ) - الانتصار 160 .