حكومته تعصّبا شديدا في هذا المجال حتّى أنّهم عندما كانوا يفدون المسلمين من أسر الروم سنة 231 ه ، وفد رسول أحمد بن أبي دؤاد قاضي القضاة إلى ديار الروم ليسأل الأسرى عن عقيدتهم ؛ فمن كان يعتقد بخلق القرآن ونفي الرؤية عن الحقّ تعالى ، فودي به وأحسن إليه . ومن أبى ترك بأرض الروم ، فاختار جماعة من الأسارى الرجوع إلى أرض النصرانيّة على القول بذلك « 1 » .
وعندما تربّع المتوكّل على كرسيّ الحكم سنة 232 ه ، لم يسلك مدارج أسلافه : المأمون ، والمعتصم ، والواثق . فأوقف المجادلة والمناظرة ونهج منهج أصحاب الحديث والسنّة . واحترم الإمام أحمد بن حنبل ، واتّخذه مشيرا له ، وبهذا انتهت المحنة .
ومنذ ذلك الحين ، أخذت قدرة المعتزلة بالتضاؤل ؛ لأنّ أصحاب الحديث والسّنّة قد نشطوا مرّة أخرى وحالوا الدفاع عن عقائدهم ، ودحض آراء المعتزلة ومقالاتهم من جهة ، وأنّ الشيعة أصبحت قادرة على مناوءة المعتزلة ونقض بعض عقائدهم بواسطة عدد من المتكلّمين الذين نبغوا في وسطها من جهة أخرى ، ففقدت المعتزلة شوكتها وشأنها الأوّل تدريجا .
كان علم الكلام في البداية وسيلة لتقدّم المعتزلة والشيعة . وشاقّه أصحاب الحديث والسنّة . ثمّ استقطب اهتمام المسلمين عامّة شيئا فشيئا . ذلك أنّ أصحاب الحديث والسنّة رأوا أن لا سبيل إلى تفنيد اعتراضات المخالفين إلّا التمسّك بأدلّتهم الكلاميّة نفسها ، وانتهاج أسلوبهم في الاستدلال والكلام . وكانت استعانتهم بالأدلّة الكلاميّة أوّل الأمر من أجل الدفاع عن أصول عقائدهم . ولم يتيسّر لهم تغيير أسسهم الدينيّة ، بيد أنّ معظم علمائهم تبنّوا الكلام في أوائل القرن الرابع الهجريّ من أجل إثبات عقائدهم وتقريرها . وكان هذا في وقت ما يزال فيه عدد من كبراء
هامش
( 1 ) - التنبيه والاشراف 191 .