3 - ظهرت فرقة أخرى بين الزّهاد والعبّاد والمعرضين عن الدنيا ، في مقابل أنصار الأدلّة النقليّة والعقليّة . وكان أسلوبها في معرفة ذات الباري تعالى تصفية الباطن وتزكية النفس ، عن طريق الرياضات « 1 » والمجاهدات « 2 » . وكانت ترى أنّ أداة ذلك الخطرات « 3 » ، والوساوس « 4 » ، « 5 » . وتتلخّص عقيدة هذه الفرقة المعروفة بأهل الكشف أو المتصوّفة في مراعاة أربعة أصول ، هي : رياضة النفس ، ومجاهدة الطبع ، ومنعه من الأخلاق الرذيلة ، ودفعه إلى الأخلاق الحميدة كالزهد ، والحلم ، والصبر ، والإخلاص ، والصدق ، وهي التي من فاز بها حسن ذكره في الدنيا ، وأدرك ثواب الآخرة « 6 » .
وفي البدء كان معظم المسلمين يراعون هذه الأصول . وإذا زعم المتصوّفة أنّهم أوّل من عرف اللّه بالرياضة والمراقبة والتفكّر ، فإنّ مقالاتهم التي انتشرت عنهم ، واعتقادهم بالحلول ووحدة الوجود ، ورغبتهم في السماع والرقص وغيرهما ممّا تغلغل بينهم ، كلّ ذلك دفع جماعة من العلماء والمتكلّمين إلى ردّ
هامش
( 1 ) - الرياضة عبارة عن تهذيب الأخلاق النفسيّة ، فإنّ تهذيبها عن خلطات الطبع ونزعاته . ( التعريفات للجرجانيّ 50 ؛ اصطلاحات الفتوحات المكّيّة ملحق الكتاب 117 ) .
( 2 ) - المجاهدة حمل النفس على المشاقّ البدنيّة ومخالفة الهوى على كلّ حال . ( التعريفات 81 .
اصطلاحات الفتوحات المكّيّة 117 ) .
( 3 ) - الخطرات والخاطرات والخواطر جمع الخطرة والخاطرة والخاطر : ما يرد على القلب من الخطاب أو الوارد الّذي لا عمل للعبد فيه . وما كان خطابا فهو أربعة أقسام : ربّانيّ وهو أوّل الخواطر ، وهو لا يخطئ أبدا ، وقد يعرف بالقوّة والتسلّط وعدم الاندفاع . وملكيّ : وهو الباعث على مندوب أو مفروض ، ويسمّى : إلهاما . ونفسانيّ : وهو ما فيه حظّ النفس ويسمّى هاجسا . وشيطانيّ : وهو ما يدعو إلى مخالفة الحقّ وارتكاب الفحشاء والمعاصي ( التعريفات 43 ، واصطلاحات الصوفيّة 157 ) .
( 4 ) - الوسوسة : الكلام الخفيّ الذي يصل مفهومه إلى القلب من غير سماع . ( مجمع البحرين 352 ) .
( 5 ) - تلبيس إبليس 174 ، الفهرست 183 ، معجم الأدباء 2 : 279 .
( 6 ) - تلبيس إبليس 173 . أوّل من اشتغل في علم الكلام ببغداد على مذاق المتصوّفة أبو حمزة محمّد بن إبراهيم الصوفيّ ( المتوفّى سنة 269 ه ) تاريخ بغداد 1 : 393 .