المعرفة والتوحيد فهو أصوليّ ، أمّا من بحث في الطاعة والشريعة فهو فروعيّ « 1 » .
وكان المسلمون بادئ الأمر في غنى عن تدوين أحكام الشرع وتنظيمها فصولا وأبوابا وتقسيمها فروعا وأصولا ، بفضل سماع الأخبار من صاحب الشريعة ، إذ كانوا يستهدون بوجوده ، وكذلك بسبب قلّة الخلافات ، وسهولة الرجوع إلى الصحابة والثقات لقربهم من عصر البعثة . إلى أن ظهر اختلاف الآراء والميل إلى البدع ، وإبداء الآراء الظاهرة المختلفة وعرض الفتاوى المتنوّعة . فمسّت الحاجة إلى زيادة نظر والتفات إلى تدوين الأحكام الشرعيّة وتقريرها . وطفق أولو الاستدلال والنظر يستنبطون الأحكام ويبذلون الجهود في تحقيق العقائد الدينيّة وتمهيد أصولها وقوانينها وحججها وبراهينها ، وتدوين المسائل بأدلّتها ، والشّبه بأجوبتها . وسمّي العلم الحاصل عبر هذا الطريق : الفقه . وعرف القسم المرتبط بالاعتقادات منه بالفقه الأكبر . وأطلق على الأحكام العمليّة غالبا : الفقه ، وعلى الاعتقادات : علم التوحيد والصفات ؛ لأنّ أشهر مباحثه وأسماها هو مبحث التوحيد والصفات . وسمّي هذا العلم أيضا : علم الكلام ؛ لأنّ مباحثه كانت مصدّرة بقولهم : « كلام في ذكر المبحث الفلانيّ أو في ذكر فلان » . والكلام هنا يعني الشرح والبيان والاستدلال العقليّ « 2 » . يضاف إلى ذلك أنّ أشهر الموضوعات الخلافيّة في هذا العالم الجديد هو البحث في كلام اللّه : هل هو قديم أم حادث . فكان علماء الكلام يقولون : إنّ علم الكلام يجعل المرء قادرا على تحقيق الشرعيّات كما أنّ علم المنطق يزيد قدرته في تحقيق الفلسفيّات ، ناهيك عن أنّ الحاجة إلى الكلام في البحث في الشرعيّات وردّ المخالفين هي أكثر من الحاجة إلى أيّ شيء آخر ، كما أنّ الاستدلال في هذا المقام يبدو مقتصرا على الكلام . وكان يسمّى أقوى الكلامين
هامش
( 1 ) - الملل والنحل 28 وشرح المقاصد للتفتازانيّ 6 .
( 2 ) - انظر : كتاب الانتصار 7 للوقوف على أدلّة هذا الموضوع .