من هيبته ، وجلالته ، وسيماه ، وحسن وجهه ، وبنائه ما لم أره لأحد قطّ . فصرت من موضعي إليه فقلت : يا سيّدي ، ليس وجهك من وجوه أهل هذه البلاد . فقال :
أجل يا مجوسيّ . قلت : فمن أيّ بلاد أنت ؟ فقال : من أهل المدينة . فقلت : أيّ مدينة ؟ فقال : مدينة الرسول صلّى اللّه عليه وآله . فقلت : وحقّ الشمس والقمر إنّك لمن ولد صاحب المدينة ! قال : ولكنّي من عرب المدينة . قال : فلم أزل أتقرّب إليه وأخدمه حتّى سألته عن كنيته . فقال : كنيتي أبو جعفر . فقلت : أبشر فو حقّ المجوسيّة لتملكنّ جميع ما في هذه البلدة ، حتّى تملك فارس وخراسان والجبال .
فقال لي : وما يدريك يا مجوسيّ ؟ قلت : هو كما أقول ، فاذكر لي هذه البشرى . فقال :
إن قضي شيء فسوف يكون . قال : قلت : قد قضاه اللّه من السماء فطب نفسا ، وطلبت دواة فوجدتها ، فكتب لي . . . فلمّا ولي الخلافة صرت إليه فأخرجت الكتاب . فقال : أنا له ذاكر ، ولك متوقّع ، فالحمد للّه الّذي صدق وعده ، وحقّق الظنّ ، وردّ الأمر إلى أهله . فأسلم نوبخت وكان منجّما لأبي جعفر ومولى » « 1 » .
وعلى الرغم من أنّ القرائن تدلّ على أنّ نوبخت قد التزم المذهب السنّيّ لا محالة ، وهو المذهب الرسميّ لحكّام بغداد ، بيد أنّ أولاده اشتهروا بالتشيّع ، أو أنّهم عرفوا - في الأقل - بولاية آل عليّ على حدّ تعبير ابن النديم « 2 » . وسوف نرى أنّ عددا منهم أصبح من كبار علماء الإماميّة فارتقى ذروة المجد .
وكان نوبخت وابنه أبو سهل من خاصّة المنجّمين عند المنصور . وعندما اعتزم المنصور إنشاء بغداد ( شرع في بنائها سنة 144 ه ) وضع أساسها في الساعة الّتي اختارها نوبخت ، حسب الأحكام النجوميّة « 3 » .
هامش
( 1 ) - تاريخ بغداد 10 : 55 .
( 2 ) - الفهرست 177 .
( 3 ) - تاريخ بغداد 1 : 67 ؛ تاريخ اليعقوبيّ 238 .de Goeje , B . G . A . VII؛ الآثار الباقية 270 ؛ آثار البلاد 209 ؛ الكامل 5 : 436 ( طبعة ليدن ) ، وكتب تاريخيّة وجغرافيّة أخرى ،Salmon , Introd , a la topog . de Bagdad p . 1 / 76 .