يحفل بهم ابن رائق في البداية ولم يصرّ على تحرّكهم ، ممّا حداهم على التوجه إلى واسط تدريجا . وعزم ابن رائق على قطع دابر فتنتهم باقتراح أبي عبد اللّه النوبختيّ ، فقطع رواتب جماعة منهم ، وطرد عددا . لكنّهم لم يستسلموا بل تمرّدوا عليه ، فشنّ عليهم حربا في الخامس والعشرين من المحرّم وقتل جماعة كثيرة منهم ، وهزم الباقين ففرّوا إلى بغداد . ثمّ قبض عليهم صاحب الشرطة فقتلهم ، وهكذا تخلّصت الحكومة والناس من بلاء استيلائهم بيسر .
إنّ الذي رفع ابن رائق إلى هذا المنصب الكبير ، وجمع له تلك الثروة الطائلة ، وأخمد فتنة الساجيّة والحجريّة هو كاتبه أبو عبد اللّه الحسين بن عليّ النوبختيّ ، إذ فوّض إليه ابن رائق عامّة الأعمال ، ولم يعص له أمرا . وأصبح أبو عبد اللّه مدبّرا لجميع مصالح ابن رائق منذ المحرّم سنة 325 ه ، حيث كانت بداية استقلال ابن رائق واستيلائه على بغداد وشؤون الحكومة . وقد تسنّم أبو عبد اللّه النوبختيّ في الحقيقة منصب الوزارة منذ ذلك الحين « 1 » .
وافق أبو عبد اللّه البريديّ على اقتراحات السلطان العبّاسيّ وابن رائق في إرسال ما عنده من الضرائب ، والتخلّي عن الجيش لمن يعيّنه أمير الأمراء . وأطلع ابن رائق السلطان على مراسلات أبي عبد اللّه البريديّ واستشار أعوانه في هذا المجال . فقال أبو عبد اللّه النوبختيّ لابن رائق : إنّ أبا عبد اللّه البريديّ رجل مكّار ومحتال ، ولا يوثق بكلامه . بيد أنّ أبا بكر بن مقاتل الذي كان من كتّاب النوبختيّ البارعين وكان ينحاز إلى أبي عبد اللّه البريديّ ، بذل قصارى جهده في إقناعه بعذر البريديّ وأصرّ على توليته الأهواز ثانية ، حتّى أنّ ابن رائق والسلطان فوّضاها إليه ورجعا إلى بغداد . واستبان بعد مدّة قليلة أنّ الحقّ كان مع أبي عبد اللّه النوبختيّ إذ إنّ أبا عبد اللّه البريديّ لم يرسل دينارا واحدا إلى دار الحكومة ، ولم يخوّل أمر
هامش
( 1 ) - كتاب الأوراق للصوليّf . 121 a , f . 150 a( نسخة المكتبة الوطنيّة ببارس ) ، تجارب الأمم 5 : 260 .