تخطي إلى المحتوى الرئيسي

آل نوبخت — صفحة 14

مساهمون:

ص١٤
النشّالين قد خدعوا فريقا من الناس المتّسمين ببراءة الضمير وصفاء الباطن والإيمان القلبيّ الصادق ، الذين عقدوا الأمل على عقائد آمنوا بها ، خدعوهم تحت عنوان : رفقاء الدرب ، فسلبوا أزوادهم وأمتعتهم أوّلا ، ثمّ تركوهم في حضيض البؤس والمسكنة والقنوط . إنّ تاريخ الأديان والمذاهب ، من منظار ما ، هو شرح لصفاء ضمير جماعة من الناس ، وإيمانها القلبيّ ، وعرض للصوصيّة جماعة أخرى ومكرها واحتيالها ، ولمّا كان الاصطدام بين هاتين الشريحتين من الناس ومناظراتهما ومحاججاتهما باعثا على ظهور شتّى الآراء والعقائد والأهواء والنّحل من أوطئها إلى أعلاها درجة ، فإنّ هذا القسم من التاريخ كالبستان الذي تجد فيه أنواعا متفاوتة من الأعشاب والنباتات ، بدءا بالبرسيم الطبيعيّ وانتهاء بأجمل الأزهار وأشذاها ، علما أنّنا نستنبط من خلال الاطّلاع عليه أنّ فسيل كثير من الأفكار والآراء الدينيّة والسياسيّة والذوقيّة لأناس عصرنا قد غرس في هذا البستان من قبل الأسلاف وكانت تلك الفسائل تنمو وتنضج حينا ، وتذبل حينا آخر على تواتر القرون التي مرّت على البستان المذكور ، متحمّلة الأجواء غير المساعدة . يبدو أنّ المسلمين كانوا أوّل أمّة بين الأمم القديمة اهتمّوا بتدوين الكتب في تاريخ الأديان والمذاهب والفرق الدّينيّة ، إذ إنّ اليونانيّين لمّا كانوا قد فصلوا في دراساتهم قضايا الحكمة عن الدين فصلا تامّا ، وكان مذهبهم خاليا من الجانب الأخلاقيّ والحكميّ ، فإنّ الكتب التي صنّفوها في عقائد أسلافهم اتّخذت في الغالب طابع البحث في تاريخ الحكمة والحكماء . أمّا كتب النصارى فقلّما اتّسمت ببعد عامّ . وهي في حكم نقض آراء أهل البدعة أو مخالفيهم غالبا . وكان متكلّمو المعتزلة أوّل من بدأ من المسلمين في تصنيف هذا الضرب من الكتب تحت عنوان « المقالات » ، أو « الآراء والديانات » ، أو « الملل والنحل » . ولعلّهم صنّفوها لمعرفتهم بفلسفة اليونان وسيرة حكمائهم وآرائهم ، فقلّدوهم في