إلى تصوّره للموت وجهله بعالم الغيب ، وهو كما يدافع عن جسمه وفقا للوسائل والتّدابير اللازمة ، فإنّ عليه أن ينقذ روحه - طوعا أم كرها - من حالة القلق والاضطراب بتدابير يتّخذها لنفسه ، ويستبدل الهدوء وفراغ البال باضطراب الفكر الناتج من التغيّرات المتوالية وآثار الطبيعة المجهولة والخوف من الموت والتفكير بما يخبّئه المستقبل ، وليس أمامه إلّا أن يسخّر ما يبعث على خوفه وتغيّر أحواله النّفسيّة ويجعل ذلك طوع أمره وإرادته ، أو يتنازل مذعنا أمام القوى المتحكّمة ويعدّ نفسه خادما مطيعا لها . أي : إمّا أن يمزّق حجاب أسرار العالم المجهول من خلال توظيف الفكر واختدام الذكاء والذوق الفطريّ ، في ضوء ما يحمله من حسّ التنقيب والتدقيق والتحقيق الذي يتّصف به أولو النظر البعيد ، فيسخّر الطبيعة في خدمته ، ويخفّف بلبلة باله ما أمكنه عبر تشخيص الأسباب الحقيقيّة لآثاره ، وإمّا أن يضرب عن التحقيق والطلب صفحا ، ويغرق في بحر الوهم ، ويتلمّس لكلّ مجهول خارجي علّة من عنده يقنع بها نفسه ، ويبني له سدّا - ممّا تمليه عليه قواه الوهميّة - يحول بينه وبين اضطراب فكره ليجلس في مأمنه سعيدا رخيّ البال . وفي مفرق هذين الطريقين يعرف حجم اللياقة الفكريّة ودرجة الذكاء والذوق عند شتّى الأشخاص أو الجماعات ، ويبرز الفرق بينهم في درجات رقيّهم المادّي والمعنويّ .
وفي هذا المقام يسير روّاد طريق البحث قدما ، وهم الباحثون في جواهر المعارف والحقائق . ويدعون المتنسّكين المقلّدين أسرى في زوايا زهوهم . ولا يصدّهم شيء عن البحث ، ويبذلون قصارى جهودهم للوقوف على أسرار الخلق أكثر من الغابرين ، ومن ثمّ يخفّفون عن ظهورهم وظهور غيرهم عبء المعاناة .
إنّ كلّ شخص أو قوم ممّن اتّصف بالدهاء والكفاءة قد اجتاز - طوعا أم كرها - هذه المرحلة الثانية التي ينبغي أن تسمّى المرحلة الدينيّة . وطووا هذا المقام قبل أن يزعموا أنّهم حلّوا ألغاز الطبيعة ، ووجدوا الحقيقة ، وخطوا في المرحلة العقلانيّة والمنطقيّة ، حتّى أنّ الذين أرادوا - من بين هذه الجماعة - أن يقطعوا علاقاتهم بأفكار
آل نوبخت — صفحة 12
مساهمون: عباس إقبال آشتياني
ص١٢