الماضي ، ولا ينشغلوا إلّا بما يمليه العقل ومبادئ المنطق الثابتة أقرّوا بعجزهم حيال الطبيعة اللّامتناهية وآثارها المجهولة التي لا تحصى ، ورأوا أنّ المعلومات العلميّة ليس لها شأن ولا تصمد أمام بحر المجهولات اللامتناهي ، وأذعنوا - في غاية الإنصاف - أنّه على الرغم من وجوب البحث عن الحقيقة ، فما زلنا نحتاج إلى وقت طويل كي تستضىء عيوننا برؤية جمال الحقّ كما ينبغي ، ونتخلّص من معاناة الضمير واضطراب البال ، ونظفر بالسعادة الأبدية من خلال الوصول إلى حجرات القدس .
وفي ضوء هذه المقدّمة ، ما دامت هذه السعادة لا تتيسّر بواسطة العلم والعقل ، وكانت قابليّات الناس متباينة في إدراك الحقائق ، فإنّ المرحلة الدينيّة في طيّ طريق الحياة وتحمّل شدائدها ومصائبها من أسلم المراحل للاستمتاع برخاء البال والسعادة ، بخاصّة للأشخاص أو الجماعات الّتي لا تتطلّب قواها الذهنيّة والنفسيّة في الوقت الحاضر طريقة فكر وحسّ آخرين ، وترى أنّ سعادتها لا تتحقّق إلّا في هذا المجال .
وكان الأنبياء والمصلحون الدينيّون يخبرون الناس الذين يبلّغون في أوساطهم ، ويعرفون قابليّاتهم أفضل من غيرهم ، لذلك توجّهوا إليهم بقلوب طافحة بالإيمان وعزائم حافلة بالحماسة ، وتعاملوا معهم بالأسلوب الذي ألفوه ، فركزوا في نفوسهم الفضائل والتّفكير بمصلحة الآخرين وحبّ الخير لهم ، وقطعوا دابر الرذائل التي تسبّب بؤسهم وشقاءهم ، وذلك بالحكمة والتدبير .
وكانت تنهض في مقابل هذه الشريحة الخيّرة دائما فئة إمّا تزعم أنّها صاحبة القيادة وأنّها تريد أن تهدي الناس إلى سبيل الحقائق والمعارف ، أو أنّها ترفع عقيرتها بمناوءة الأديان من خلال الاستظهار بحفنة من المعلومات الناقصة أو المغرضة ، ولمّا كان هؤلاء لا يتمتّعون بالإيمان الذي يستلزمه طيّ هذا الطريق ، فإنّهم لم يفلحوا ، بل دمّروا سعادة السواد الأعظم من الناس ، وهم كالسلّابين
آل نوبخت — صفحة 13
مساهمون: عباس إقبال آشتياني
ص١٣