المؤرّخون وأصحاب كتب الملل والنحل عنه آراء ومقالات كثيرة . ولمّا كانت الآراء فيه متضاربة ولم تثبت صحّة الآراء المنسوبة إليه ، فلا يمكن استنتاج شيء منها ، بخاصّة أنّ المؤلّفين المتعصّبين وأعداء ابن الراونديّ ونظائره كانوا يلصقون بأمثال هؤلاء التّهم باستمرار - على العادة يومئذ - ويذكرونهم في كتبهم باللعن والامتهان .
إنّ الثابت هو أنّ ابن الراونديّ كان في البداية من المعتزلة كالورّاق ، وأخيه ، وابن عمّه « 1 » . ثمّ مال إلى التشيّع مدّة بعد أن طردوه . وصنّف عددا من الكتب في دحض المعتزلة ، ودعم الشيعة وعقائد المنتمين إليهم . ولمّا كان ملمّا بآراء المعتزلة وكان أستاذا في الكلام والإنشاء ، فقد أدّى ما عليه في هذا الطّريق بإحسان ، وأثار حسّ الانتقام عند كبار المعتزلة القريبين عهدا منه كأبي هاشم الجبّائيّ ، وأبي عليّ الجبّائيّ ، وأبي الحسين الخيّاط ، والكعبيّ . واستطاع ابن الراونديّ أن يقدّم عونا كبيرا إلى المذهب الشيعيّ يومئذ من خلال تصنيف الكتب المتقنة نسبيّا ، وجمع الأدلّة والآراء الكلاميّة في دعم عقيدة الشيعة ، بخاصّة مسألة الإمامة .
ولذلك نجد أنّ تمرّد ابن الراونديّ على المعتزلة ودفاعه عن عقائد الشيعة أثارا المعتزلة والسّنّة ضدّه فذكره متكلّموهم ومؤلّفوهم في كتبهم بالسوء ، لا سيّما أبا الحسين الخيّاط ، وأبا هاشم الجبّائيّ ، وابنه أبا عليّ من المعتزلة ، وأبا الوفاء بن عقيل ، وأبا الفرج عبد الرحمن بن الجوزيّ من السّنّة ؛ فقد هاجمه هؤلاء بشدّة ، وعدّه ابن الجوزيّ من كبار الملاحدة « 2 » وأحد الزنادقة الثّلاثة الكبار الذين ظهروا بين أهل الإسلام « 3 » .
أمّا عقيدة مؤلّفي الشيعة فيه فمختلفة ؛ فمنهم من أثنى عليه ، ومنهم من ذمّه .
هامش
( 1 ) - الانتصار 149 .
( 2 ) - تلبيس إبليس 118 .
( 3 ) - الآخران هما : أبو حيّان عليّ بن محمّد الصّوفيّ المعاصر لابن العميد والصاحب بن عبّاد ، والشاعر المشهور أبو العلاء أحمد بن سليمان المعرّيّ ( بغية الوعاة 349 ، وروضات الجنّات 54 ) .