شرح
امتنانيتها مساوق لتسليم ثبوت الملاك على حاله .
أقول : أولا قد ذكرنا في الجزء الرابع من هذا الشرح في مبحث النية أن
الدواعي القربية الموجبة لعبادية العبادة منحصرة في الأمر والمحبوبية ، وأما باقي
الدواعي التي توهم كونها منها كرجاء الثواب ورفع العقاب وما شاكل فليست منها ، ومن
تلك الدواعي داعي الملاك والمصلحة الكامنة في الفعل ، إذ استيفاء المصلحة الكامنة
في العبادة لا يمكن إلا بإتيانه امتثالا لأمره تعالى ، فلو أتى بالعبادة من دون قصد
الأمر ولو كان من قصده حصول المصلحة لا تستوفي تلك لترتبها على الفعل المأتي
به امتثالا لأمره تعالى ، وعليه فالاتيان بداعي الملاك لا يكفي في العبادية ، وإن قصد
الأمر الندبي يأتي ما تقدم من الاشكال في إجزاء الحج الندبي عن الواجب .
أضف إلى ذلك أن الملاك الذي لا يصلح أن يزاحم الامتنان وغير قابل لأن
يكون منشئا للأمر عند مزاحمته معه لا يكفي في العبادية والقرب إلى الله تعالى ، مع أن
عدم مزاحمة ملاك الامتنان على الأمة لملاك الحج الواجب غير واضح ، فيقع الكسر
والانكسار بين الملاكين ، بل من مزاحمته معه في المنشئية لجعل الحكم وغلبته عليه
يستكشف وجودها وتحققها .
الخامس : أن عدم الضرر والحرج المأخوذ شرطا في الاستطاعة يراد به عدم
الحرج والضرر اللتين من قبل الشارع لا مطلقا ، فإذا تكلف المكلف الحرج والضرر
لا بداعي أمر الشارع ، بل بداع آخر فعدم الحرج والضرر الآتيين من قبل الشارع
حاصل ، لأن المفروض أن الضرر والحرج الحاصلين كانا بإقدام منه وبداع نفساني
لا بداع الأمر الشرعي فتكون الاستطاعة حينئذ حاصلة بتمام شروطها ، فيكون الحج
حج الاسلام .
وفيه : أن مقتضى إطلاق الأدلة رافعية الحرج والضرر للحكم مطلقا ، ولا يعقل
وجه لهذا التقييد .